تصاعد هجمات “داعش” في سوريا: رسائل سياسية واختبار أمني للدولة والتحالف الدولي


هذا الخبر بعنوان "حركات “داعش” في سوريا بين الرسائل السياسية والاختبار الميداني" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد الجزيرة السورية تصعيداً ملحوظاً في هجمات تنظيم “داعش”، مما يثير مخاوف من عودة نشاطه المنظم. يأتي هذا التطور الأمني في خضم تحولات ميدانية وسياسية متسارعة، ويشكل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة السورية وشركائها على إحكام السيطرة على المشهد الأمني في هذه المرحلة الحساسة.
في سياق هذه التطورات، أعلن وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، يوم الثلاثاء، استمرار عمليات مداهمة أوكار تنظيم “داعش” وملاحقة فلوله. وأكد خطاب أن الأجهزة الأمنية "لن تتوقف عن التصدي لأي تهديد يستهدف أمن الوطن".
جاءت تصريحات الوزير عقب تفكيك خلية تابعة لـ“داعش” في محافظة الرقة، كانت متورطة في استهداف حاجز أمني غرب المدينة. وقد أسفر هجوم سابق على الحاجز ذاته، يوم الاثنين، عن مقتل أربعة عناصر من قوى الأمن الداخلي وإصابة اثنين آخرين. وتمكنت القوات من تحييد أحد أفراد الخلية المهاجمة، فيما تتواصل عمليات التمشيط لتعقب بقية العناصر.
يُعد هذا الهجوم الثاني على الحاجز خلال أقل من 24 ساعة، حيث تعرض لاعتداء مماثل يوم الأحد. وتبنى تنظيم “داعش” هجمات أخرى في دير الزور والرقة، عبر وكالته “دابق”، متوعداً بالدخول في "مرحلة جديدة من العمليات" ضد الدولة السورية، مما يشير إلى محاولة لرفع مستوى التحدي الأمني.
من جانبه، يرى عمار فرهود، الباحث في الشأن العسكري وجماعات ما دون الدولة، في تصريح لمنصة سوريا 24، أن التصعيد الأخير يرتبط بتحولات جغرافية وأمنية شهدتها مناطق شرقي البلاد.
ويوضح فرهود أن "أحد أبرز الأسباب يتمثل في انكشاف جغرافية جديدة أمام التنظيم، مما يتيح له التحرك بحرية، خاصة في مناطق الجزيرة السورية بعد ربطها جغرافياً بالبادية، وهو ما سهل الانتقال السلس بين المنطقتين".
ويضيف فرهود أن هذا الربط الجغرافي مكّن خلايا التنظيم من التواصل فيما بينها بعد سنوات من العمل المنفصل أو المحدود، مما أعاد للتنظيم قدرة التنسيق الميداني، وإن كان على نطاق ضيق.
كما يشير إلى أن التنظيم يمتلك معرفة دقيقة بطبيعة الأرض في تلك المناطق، نظراً لنشاطه السابق فيها، سواء ضد القوات المحلية أو ضمن صراعات النفوذ التي شهدتها المنطقة.
ويؤكد فرهود أن "السيولة الأمنية" في بعض الجيوب، الناتجة عن انحسار القوى التي كانت تسيطر على الأرض سابقاً، أوجدت فراغات تكتيكية استغلها التنظيم لإعادة التموضع.
ويختتم بالقول إن التنظيم "عمل سابقاً تحت ضغط أمني كبير، لكنه اليوم يتحرك في بيئة أقل إحكاماً، مما يمنحه هامشاً أوسع للمبادرة".
ويتطرق فرهود أيضاً إلى مسألة تقليص الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، أو الحديث المتزايد عن انسحاب محتمل، معتبراً أن "الانسحاب الفيزيائي للقوات الأمريكية من قواعدها قد غيّر حسابات التنظيم".
ويوضح أن وجود القوات الأمريكية سابقاً كان يشكل عامل ردع مباشر، حيث كان أي تحرك واسع قد يستدعي استجابة سريعة وقوية.
أما اليوم، فيرى أن خلايا التنظيم قد تعتقد أن احتمالية الاصطدام المباشر مع القوات الأمريكية أصبحت أقل، مما يشجعها على تنفيذ عمليات محسوبة تهدف إلى إثبات حضورها دون الانخراط في مواجهة مفتوحة.
ويضيف أن غياب الدعم الفوري من التحالف الدولي على الأرض قد يضع عبئاً إضافياً على القوات السورية في حال توسعت رقعة الهجمات.
وتجدر الإشارة إلى أن سوريا انضمت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي إلى التحالف الدولي ضد “داعش”، الذي تشكل بقيادة الولايات المتحدة عام 2014. هذا الانضمام يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الدعم الذي سيقدمه التحالف في المرحلة المقبلة.
وبحسب فرهود، فإن تداعيات هذا التصعيد تتجاوز البعد الأمني المباشر. فهو يرى أن زيادة العمليات ستؤدي إلى ضغط كبير على المؤسسة الأمنية السورية، خاصة في جغرافيات واسعة يصعب تغطيتها بالكامل، مما قد ينعكس في شكل إجراءات مشددة وإعادة انتشار للقوات.
كما يعتبر أن المرحلة الحالية تمثل اختباراً مزدوجاً: الأول يتعلق بمدى قدرة الدولة على احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى موجة ممتدة، والثاني يرتبط بدور التحالف الدولي في دعم الحكومة السورية بصفتها عضواً رسمياً فيه.
ويضيف أن التنظيم يسعى أيضاً إلى اختبار مدى تقبله داخل المجتمع السوري، ومحاولة معرفة ما إذا كان قادراً على إيجاد أرضية اجتماعية، أم أن نشاطه سيبقى محصوراً ضمن دائرة ضيقة وخلايا نخبوية معزولة.
ويرى أن التنظيم يعوّل على "الأثر النفسي" لعملياته أكثر من نتائجها العسكرية المباشرة، إذ إن نشر الرهبة ورفع معنويات أنصاره قد يكون هدفاً بحد ذاته.
من جهته، يربط المحلل السياسي عبد الرحيم خليفة، في حديث لمنصة سوريا 24، بين تصاعد النشاط الميداني للتنظيم وتطورات سياسية، منها ما يتداول عن انسحاب أمريكي محتمل، وإعادة ترتيب أوضاع مخيمات تضم عائلات مرتبطة بالتنظيم.
ويعتبر خليفة أن “داعش” يسعى لإثبات وجوده كفاعل مؤثر في المشهد، موجهاً رسائل إلى أطراف إقليمية ودولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، بالإضافة إلى الدولة السورية.
لكنه يستبعد أن يتمكن التنظيم من إعادة بناء بيئة حاضنة تضمن له الاستمرار، خاصة في ظل الضربات التي تلقاها خلال السنوات الماضية، وتراجع قدرته التنظيمية.
تتراوح التقديرات بشأن المرحلة المقبلة بين احتمال بقاء الهجمات ضمن مستوى "العمليات المحدودة" ذات الطابع الرمزي، وبين خطر توسعها إذا ما نجح التنظيم في استغلال أي ثغرات أمنية أو سياسية.
ويجمع المحللون على أن حسم هذا المسار مرتبط بعوامل عدة، أبرزها سرعة الاستجابة الأمنية، ومستوى التنسيق الاستخباراتي، وطبيعة الدعم الذي سيقدمه التحالف الدولي، بالإضافة إلى قدرة الدولة على تجفيف أي بيئات قد يحاول التنظيم التسلل إليها.
في المحصلة، يبدو أن تنظيم “داعش” يحاول استثمار لحظة تحول في المشهد السوري لإعادة فرض اسمه في المعادلة الأمنية. ومع ذلك، فإن قدرته على تحويل هذا التصعيد إلى عودة واسعة النطاق تبقى مرهونة بمدى تماسك الجبهة الداخلية، وفعالية الإجراءات المتخذة لاحتواء التهديد قبل أن يتجذر من جديد.
سياسة
اقتصاد
اقتصاد
سياسة