خان أسعد باشا: رحلة أيقونة دمشقية من مركز تجاري صاخب إلى منارة ثقافية معاصرة


هذا الخبر بعنوان "خان “أسعد باشا”.. من قلب التجارة إلى فضاء للثقافة في دمشق" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قلب زقاق عريق من أزقة سوق البزورية الدمشقي، يقف خان أسعد باشا شامخًا، شاهدًا على إرث سوريا العريق، يروي فصولًا من تاريخ دمشق الاقتصادي والاجتماعي على مدى ما يزيد عن 270 عامًا. هذا الصرح المعماري، الذي شيده والي دمشق أسعد باشا العظم عام 1751، بعد أربع سنوات فقط من إنجاز قصر العظم، كان في بداياته محطة أساسية للقوافل التجارية القادمة من مشارق الأرض ومغاربها، حاملةً معها التوابل والأقمشة والمجوهرات النفيسة. اليوم، وبعد أعمال ترميم دقيقة وتحويله إلى فضاء ثقافي نابض، يقدم الخان لزواره تجربة فريدة تمزج بين عبق التاريخ وجمال العمارة، ليصبح رمزًا لتطور الحضارة الدمشقية بين التجارة والفن.
لم يكن خان أسعد باشا، عند بنائه على يد والي دمشق، مجرد مكان للإقامة العابرة، بل كان يمثل القلب التجاري النابض للمدينة. فقد أُقيم على مساحة تبلغ 2500 متر مربع في قلب سوق البزورية، جنوب شرق الجامع الأموي، ليكون نقطة استقبال رئيسة للقوافل التجارية التي كانت تعبر دمشق على طريق الحرير التاريخي. كلمة “خان” نفسها تشير إلى النزل المخصص للتجار، وهو ما يعكس الدور المحوري الذي لعبه المبنى منذ نشأته في تنظيم حياة التجار وتوفير ملاذ آمن لتخزين بضائعهم وإقامتهم.
يتألف الخان من طابقين؛ يضم الطابق الأرضي 40 غرفة خُصصت كمستودعات ومكاتب للتجار، بينما يحتوي الطابق العلوي على 44 غرفة للمنامات، تطل جميعها على باحة مركزية واسعة، مع ثلاث شرفات لكل جهة، مما كان يسهل التواصل بين الغرف والباحة. وكانت الغرفة الخاصة بـ”الخانجي”، أي مدير الخان، بمثابة مركز التحكم لمراقبة حركة القوافل وتنظيم شؤون التجار.
وفي تصريح لوكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، أوضحت مديرة متحف خان أسعد باشا، نوار السالم، أن تصميم الخان لم يكن مجرد تخطيط هندسي تقليدي، بل كان تجسيدًا لفلسفة دمشقية فريدة تجمع بين الجمال والوظيفة العملية. فكل غرفة وشرفة وزاوية في الباحة صُممت بعناية فائقة لتيسير حياة التجار اليومية، مما جعل تجربة الإقامة والعمل والتجارة متكاملة ومتناغمة.
تتجلى العمارة الدمشقية في أبهى صورها من خلال واجهة البناية الحجرية المهيبة، وبوابتها الخشبية الضخمة المصفحة بالحديد، وسبيلَي الماء على جانبيها، والأعمدة المزينة بالزخارف الخطية البديعة. هذه التفاصيل مجتمعة تعكس ذروة التقاليد المعمارية الدمشقية. تتوسط البنية المربعة للخان باحة رحبة، تعلوها “بحرة” مضلعة تحيط بها أربعة أعمدة ضخمة تحمل ثماني قباب هندسية، صُممت ببراعة لتوزيع الضوء والصوت داخل الخان. أما القبة التاسعة، فتتوسط البحرة المركزية، لتفتح نافذة على السماء صيفًا، وتجمع مياه الأمطار شتاءً.
تعرض الخان لأضرار جسيمة جراء الزلزال الذي ضرب دمشق عام 1759، مما أدى إلى تدمير أجزاء واسعة منه. ومع ذلك، استمر في أداء دوره الحيوي، حيث استُخدم لاحقًا كمستودع لبضائع تجار سوق البزورية المجاور. ومع حلول عام 1980، استملكت المديرية العامة للآثار والمتاحف الخان، لتبدأ رحلة طويلة من الترميم والصيانة بهدف الحفاظ على هذا المعلم الأثري الثمين. فقد جرى ترميم الأرضيات والأعمدة والأبواب والبحرة المركزية، بالإضافة إلى الواجهة الحجرية الشهيرة التي تعد من أجمل واجهات المباني التراثية الدمشقية، والتي أُنجز ترميمها خلال العام الماضي. وتواصل المديرية، بحسب السالم، تنفيذ أعمال الترميم بشكل دوري للحفاظ على القيمة التاريخية والجمالية للخان.
اليوم، تجاوز خان أسعد باشا كونه مجرد معلم تاريخي، فقد تحول إلى مركز ثقافي وفني متكامل، يحتضن فعاليات متنوعة تمنح الزائر تجربة حية للتراث الدمشقي. ففي أروقته وباحته المركزية، تُقام الأمسيات الشعرية التي تجمع بين الشعراء المحليين والوافدين من مناطق مختلفة، لتضفي على المكان أجواءً مميزة تتجاوز مجرد الاستماع إلى تجربة سمعية وبصرية متكاملة.
كما تُنظم العروض الموسيقية التي تستحضر أنغام الموسيقى الدمشقية التقليدية، إلى جانب الفنون المعاصرة، مما يخلق نوعًا من التلاقي البديع بين التراث والحداثة. وتشكل المعارض الفنية محورًا آخر من محاور النشاط في الخان، حيث تُعرض الأعمال التشكيلية والنحتية التي تتفاعل بانسجام مع العمارة الداخلية للمبنى، في تباين يبرز جمال الحجر والخشب والخط العربي مع الإبداعات المعاصرة. ويشارك في هذه الفعاليات فنانون من داخل دمشق وخارجها، مما يحول الخان إلى منصة حقيقية لتبادل الثقافات والتجارب الفنية.
وإلى جانب الفنون، يحتضن الخان مناسبات اجتماعية وثقافية متنوعة، مثل ورشات العمل التعليمية للأطفال والشباب، والندوات التي تركز على التراث الدمشقي وفنون العمارة، وأمسيات حوارية حول دور التاريخ في تشكيل الهوية الوطنية. هذه الأنشطة لم تمنح الخان بُعدًا ثقافيًا جديدًا فحسب، بل جعلته أيضًا نقطة التقاء حيوية بين المجتمع المحلي والزوار والسياح، حيث يمكن لأي شخص أن يشعر بانسجام الماضي مع الحاضر.
اليوم، يستعيد خان أسعد باشا حضوره كموقع سياحي وثقافي بارز في دمشق، يستقبل الزائرين من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، ويقدم تجربة تعليمية وترفيهية في آن واحد. وتأتي هذه التحولات كجزء من الجهود الرامية إلى إعادة توظيف المبنى كفضاء ثقافي تراثي بروح جديدة، تعبر عن حاجة السوريين إلى استعادة ذاكرتهم الجمعية، وربط التراث بالواقع المعاصر، بحيث يصبح الخان مكانًا يمكن فيه للجيل الجديد أن يلمس التاريخ ويعيشه، لا أن يراه فقط كمبنى حجري قديم.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة