المسلسلات التاريخية السورية: من ريادة ثقافية إلى تراجع في زمن "الترند".. دعوات لإحياء الذاكرة الدرامية


هذا الخبر بعنوان "المسلسلات التاريخية السورية.. ذاكرة الدراما والتاريخ ضائعة في سباق “الترند”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
على مدى عقود، شكلت المسلسلات التاريخية السورية ركيزة أساسية في بناء صورة الدراما السورية عربيًا، وساهمت في ترسيخ مكانتها كدراما جادة وعميقة، تتصالح مع التاريخ كمادة فنية ومعرفية. تميزت هذه الأعمال بقدرتها على تقديم التاريخ كحكايات نابضة بالحياة، تتشابك فيها السياسة بالفكر، والسلطة بالمجتمع، والفرد بالتحولات الكبرى. من أبرز هذه المسلسلات: "الزير سالم"، "صلاح الدين الأيوبي"، "ربيع قرطبة"، "صقر قريش"، و"ملوك الطوائف"، التي لم تكتفِ بسرد الأحداث، بل قدمت قراءات درامية معمقة للتاريخ العربي والإسلامي، مركزة على صراع القيم، وسؤال الحكم، والانقسام، والنهضة والانكسار.
أسهمت هذه الأعمال في ترسيخ صورة الدراما السورية بوصفها دراما مثقفة وذات ثقل، أعطت بعدًا إنسانيًا قريبًا من المتلقي العربي، ما أكسبها انتشارًا واسعًا واحترامًا نقديًا كبيرًا. استطاعت الدراما السورية توثيق محطات أساسية من التاريخ الإنساني، بدءًا من مراحل ما قبل الإسلام، مرورًا بالعصرين الأموي والعباسي، وصولًا إلى العصور اللاحقة كالمماليك والدولة الزنكية، إضافة إلى تناولها التاريخ السوري الحديث والقضية الفلسطينية، بحسب ما صرح به المخرج زين طيار في حديث إلى عنب بلدي. وأشار طيار إلى أن هذه الأعمال عالجت التاريخ بحذر، متجنبة القضايا الخلافية التي قد تثير الفتن، وذلك ضمن إطار رقابي مدروس، أسهم أحيانًا في حماية السلم المجتمعي، على الرغم من التحفظات الفنية على الرقابة عمومًا. بالتوازي مع الدراما المصرية، ساهمت الدراما السورية في بناء سردية عربية مشتركة حول التاريخ، وتحولت الأعمال التاريخية إلى مرجع ثقافي لدى المشاهد العربي، الذي بات يستند إليها في فهم الأحداث والشخصيات التاريخية، وفقًا لـطيار.
من جانبه، أوضح الكاتب والناقد الفني أحمد السح أن الرواية التاريخية كانت المادة الفنية الأولى التي استند إليها أي نوع فني، بسبب عدم وجود مادة درامية وعدم وجود مختصين في الكتابة الدرامية. لذلك، لجأت كل التجارب الفنية في العالم، وليس في سوريا فحسب، إلى كتب وقصص التاريخ لتقديمها بصيغة بصرية. وشرح السح أنه خلال هذه المسيرة، ظهرت أعمال بالأبيض والأسود، مثل "انتقام الزباء" عام 1974، وبالملون مثل مسلسل "الذئاب" عام 1989. كانت هذه الأعمال تصور داخل استوديوهات، بتكاليف محدودة وقدرة إخراجية وإقناع بصري محدود لكنه مناسب لزمنه، إلى أن خرجت كاميرا المخرج الراحل بسام الملا مع مسلسل "العبابيد" عام 1997، مما فتح الشهية للإنتاج والاستثمار في الدراما التاريخية. وأضاف السح أن مسلسل "الزير سالم" من إنتاج تلفزيون "أبو ظبي" عام 2000 كان العلامة الفارقة في الدراما التاريخية السورية.
مع مرور السنوات، بدأت ملامح تراجع المسلسلات التاريخية السورية بالظهور، سواء من حيث الكم أو الحضور، لتتحول من عنصر أساسي في خارطة الإنتاج إلى أعمال نادرة ومتقطعة. أدى هذا التراجع، الذي تعود دوافعه إلى جملة من العوامل، إلى غياب أحد أبرز عناصر القوة في صورة الدراما السورية، تلك الصورة المرتبطة بالعمق الثقافي والقدرة على الاشتغال على التاريخ كمرآة للواقع العربي. ومع هيمنة أنماط درامية أخرى، فقدت الدراما السورية جزءًا من تميزها الذي كان يجعلها مختلفة ومنافسة بقوة على المستوى العربي.
عزا المخرج زين طيار تراجع الدراما التاريخية السورية إلى هيمنة الإنتاج التجاري القائم على "الترند" و"الموضة"، وتراجع القيم الفنية والأخلاقية، إضافة إلى التركيز على النجم الفرد بغض النظر عن مضمون العمل. كما أن بعض الإنتاجات القصيرة المخصصة للمنصات الرقمية تقدم المجتمع السوري بصورة سلبية، مبرزة الجوانب الأخلاقية السلبية على حساب القيم الإيجابية. وذكر طيار أن ارتفاع أجور النجوم والفقر الإنتاجي أسهما في الابتعاد عن الأعمال التاريخية ذات التكلفة العالية، سواء على مستوى الديكور أو الملابس أو المجاميع، بالتوازي مع غياب الكتّاب المتخصصين والمخرجين ذوي الخبرة، مثل الراحل حاتم علي، ما أدى إلى تراجع مستوى هذا النوع من الدراما، في ظل ميل الكتّاب الحاليين إلى الاستسهال، مقابل ما تتطلبه الدراما التاريخية من بحث ودراسة معمقة.
أما الكاتب والناقد الفني أحمد السح فاعتبر أنه لا مشكلة في التراجع في هذه الأعمال من حيث الكم، والسبب مالي دون شك، فرأس المال الخارجي لا يريد الاستثمار في الدراما التاريخية حاليًا، لأنها مكلفة. ويرى السح أن الخطير في الدراما التاريخية ليس عدم إنتاجها، إذ يفضّل عدم إنتاجها على إنتاج أعمال بصورة تاريخية ولكنها مشوهة للعقل والفكر التاريخي.
اعتبر نقاد الفن أن العودة إلى المسلسل التاريخي، بروح معاصرة ورؤية إنتاجية جديدة، ضرورة فنية وثقافية لإعادة ترميم صورة الدراما السورية واستعادة أحد أهم أسباب حضورها العربي الواسع. يرى المخرج زين طيار أن المرحلة الحالية تتطلب وعيًا ثقافيًا وفنيًا من المنتجين، في ظل سيطرة منطق السوق و"الترند". ودعا إلى دعم الأعمال التاريخية وتحفيز الكتّاب على البحث الجاد، مع ضرورة تقديم التاريخ بأساليب جديدة تناسب الجيل المعاصر وثقافته الرقمية، على غرار التجارب العالمية في إعادة تقديم النصوص الكلاسيكية بروح حديثة.
بينما يرى الكاتب والناقد الفني أحمد السح أن من يريد التصدي للمسألة التاريخية عليه إعمال العقل لا الاعتماد على النقل من كتب قديمة وكأنها مقدسة، علمًا أن من كتبوها عاشوا في أزمنة ماضية، ونحن اليوم لدينا قدرات فكرية متقدمة ونستطيع استقراء وتحليل ما كتبوه ولا نلتزم بنصوصهم. وضرب مثالًا على ذلك مسلسل "ثلاثية الأندلس" الذي يتغزل به جمهور لم يقرأ كتابًا واحدًا عن تاريخ الأندلس، وبهذا يمكن القياس على الدراما التاريخية السورية التي لا تشكل نسبة 2% من الإنتاج الدرامي السوري ككل.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة