الاختلاف والاجتهاد: دعائم الإبداع والتنوع في الفكر العربي


هذا الخبر بعنوان "الاجتهاد والاختلاف..لزوم مايلزم" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: نواف يونس
لقد أتيحت لي فرصة العيش في قاهرة المعز خلال فترة الستينيات من القرن الفائت، حيث احتككت بجيل متميز من الأدباء والمفكرين والفنانين. من هؤلاء الرواد، تتلمذنا وتعلمنا منهم قيمة تقبل الاختلاف في الرأي، وتشجيعهم لنا على الاجتهاد وأهمية الحضور الخلاق في إبداعنا وسلوكنا وأفكارنا. فالاجتهاد يفتح آفاق الإبداع بعيداً عن مجرد الاتباع، وهذا ما أفسح أمامنا المجال لاستكشاف كل العلوم والمعارف التي نستفيد منها، مؤكداً على ضرورة تقبل الآخر بعيداً عن أي نعرات عرقية أو فكرية أو استعلائية.
كما منحنا هذا الجيل حق الاختلاف معهم ومناقشتهم والتحاور معهم بحرية تامة. ونتيجة لذلك، لم نشهد أي صراع بيننا، على الرغم من التباين الفكري أو السياسي أو المنهجي. لقد رسخوا بيننا قيمة التنوع الذي يجمعنا، مما وسع من أفق تفكيرنا وإدراكنا بأن التنوع دليل على الثراء والاجتهاد. لذا، كانت الندوات والأماسي الأدبية والفكرية والفنية تشهد تفاعلاً عميقاً في المفاهيم الواعدة، التي تستوعب أغلب التناقضات وتتجاوزها نحو إبداع متنوع وخلاق.
في إحدى حواراتي الأخيرة مع الصديق والزميل محمد صابر عرب، وزير الثقافة المصرية، قبيل رحيله، وهو من جيلنا الذي نهل من منابع فكرية وأدبية وعلمية أصيلة، حدثني عن ذات الموضوع. تطرق إلى التقاليد التي أرستها الجامعات المصرية، والتي دفعت بالجيل الأول المؤسس إلى إقامة علاقة متينة مع الجيل اللاحق، الذي واصل هذا الفكر التنويري لتأصيل تلك التقاليد واستمراريتها عبر تتابع الأجيال. وهذا ما كان قد أكده لنا جل النقاد والمفكرين العرب في كل مكان، مما أثرى الثقافة بالاختلاف وازدهرت بالتنوع، وتوجت بالإبداع الحقيقي المتكئ على الوعي والإدراك، والفهم والمبادئ الأصيلة.
تطرق الحديث بيننا ليستشهد الراحل صابر عرب بموقف عميد الأدب العربي طه حسين، واختلافه مع تلاميذه الشباب أمثال محمود أمين العالم، وعبد العظيم أنيس، وعبد الرحمن الشرقاوي. فقد كان طه حسين يصر على مجادلتهم وحوارهم، بل والاختلاف معهم أيضاً، وكان سعيداً بذلك، ويتابع الكتابة عنهم في أدبياته ومقالاته. كان حرصه على تشجيع الأجيال الجديدة واضحاً، حتى إنه ممن وقف مع يوسف إدريس بعد إصداره مجموعته القصصية الأولى «أرخص الليالي»، وما واجهته من قراءات ونقد فني وأدبي حول مضامينها وأبعادها الفكرية وتقنياتها الفنية، ليؤكد بذلك رحابته في تقبل آرائهم وأفكارهم وإبداعهم.
بهذا الموقف، تفادى عميد الأدب العربي المواقف المتصلبة التي اتخذها بعض النقاد والأدباء والمفكرين، وفي مقدمتهم الأديب الكبير العقاد. فقد اختلف العقاد حول قضية التجديد في الشعر، خصوصاً الشعر الحر «التفعيلة»، عندما أحال الدواوين المشاركة في مسابقة شعرية إلى لجنة النثر، حين كان رئيساً للجنة الشعر في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب.
في عصرنا الحالي، ما أشد احتياجنا إلى ممارسة الاختلاف بيننا في جميع المجالات، وإقامة الحوار بعيداً عن هيمنة ثقافة الصوت الواحد أو الرأي الأوحد، الذي لا يقبل الاختلاف حول قضايا الشعر والأدب والأفكار. إن هذا التوجه يثري ثقافتنا وهويتنا وشخصيتنا، ويساعدنا على استعادة تلك الحيوية بتشجيع الإبداع الواعد على التميز والمغايرة، مما يغني المعرفة ويفتح الأبواب أمام محاورة الآخر، خصوصاً أمام الأجيال الشابة المتعطشة لثقافة حرية التفكير والتجريب.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة