سوريا الجديدة بين المدار الأمريكي والحاجة الاستراتيجية للصين: توازنات دمشق المعقدة


هذا الخبر بعنوان "هكذا أصبحت الصين حاجة لـ”سوريا الأميركية”" نشر أولاً على موقع worldnews-sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
استخدمت الصين حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ثماني مرات تقريباً ضد مشاريع قرارات تتعلق بالأزمة السورية بين عامي 2011 و 2024، مبررة ذلك بضرورة صون السيادة السورية والحفاظ على الاستقرار الإقليمي. ورغم هذا الاستخدام المتكرر للفيتو، حرصت بكين على عدم الانخراط المباشر في دعم نظام بشار الأسد، مفضلة الحل السياسي القائم على الحوار بين الأطراف السورية كافة. ومع ذلك، فإن ما اعتُبر دعماً دبلوماسياً صينياً واسعاً للأسد لم يشكل عائقاً أمام مقاربة النظام السوري الجديد برئاسة أحمد الشرع للعلاقات الصينية السورية، حيث أوفد وزير خارجيته أسعد الشيباني إلى بكين مؤخراً.
يلخص الدكتور تانغ تشي تشاو، الباحث الأول في معهد دراسات غرب آسيا وأفريقيا ومدير قسم الدراسات السياسية في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، مصالح الصين في سوريا في ثلاثة محاور رئيسية:
على عكس ترتيب الدكتور تانغ لهذه المصالح الثلاث، فرض التحدي الأمني نفسه مبكراً على العلاقة بين الصين والسلطات السورية الجديدة. فبعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، تعرضت السفارة الصينية للنهب، وتلقى المواطنون الصينيون تحذيراً عاجلاً بالمغادرة. في المقابل، ظهر مقاتلون من “حزب تركستان الإسلامي”، الذي تعتبره بكين امتداداً لـ “الحركة الإسلامية التركستانية”، في تسجيل مصور يهددون بنقل القتال إلى الصين. وتوعد زعيم الحزب، عبد الحق تركستاني، بأن “الكفار الصينيين سيتذوقون قريباً نفس المعاملة التي تذوقها الكفار في سوريا”، مؤكداً أن مهمتهم تمتد إلى إقليم شينجيانغ شمال غربي الصين، وتشمل “تحرير مسلمي تركستان الشرقية من الاحتلال الصيني”.
تحول هذا التهديد الأمني المباشر سريعاً إلى عامل ضغط سياسي بعد إصدار القيادة السورية الجديدة في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2024 مرسوماً يقضي بترقية 49 شخصية عسكرية وضمهم إلى الجيش السوري الجديد، بينهم ستة جهاديين أجانب (تردد أنه تم تجنيسهم بمراسيم أصدرتها حكومة إدلب). ووفق وكالة “رويترز”، شمل المرسوم تعيين القيادي في “حزب تركستان الإسلامي” عبد العزيز داوود خضاباردي برتبة لواء، فيما حصل قياديان آخران من الحزب على رتبة عقيد، وهو ما أثار مخاوف بكين بشأن اكتساب هؤلاء المقاتلين خبرة قتالية رسمية قد تمكنهم من تنفيذ عمليات مستقبلية، سواء داخل الصين أو عبر شبكاتهم الدولية.
برغم ذلك، زار السفير الصيني شي هونغوي الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في شباط/فبراير 2025، في مؤشر على اعتراف صيني واضح بالسلطة الجديدة، لكن بكين ظلت متحفظة. ففي إحاطة حول سوريا في مجلس الأمن في نيسان/أبريل الماضي، عبر المندوب الصيني فو كونغ عن “قلق بالغ” من منح رتب عسكرية لمقاتلين إرهابيين، داعياً دمشق “إلى الوفاء بالتزاماتها في مكافحة الإرهاب ومنع أي قوات إرهابية من استخدام الأراضي السورية لتهديد أمن دول أخرى”.
في المقابل، كانت واشنطن تدفع نحو حل مختلف. فعشية جولة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخارجية في أيار/مايو 2025، تم إعداد خطة أميركية سورية لدمج أكثر من 3.500 مقاتل إيغوري ضمن “الفرقة 84” في الجيش السوري، بزعم أن الاحتواء داخل الجيش الجديد أفضل من تركهم عرضة للتطرف أو الالتحاق بـ”داعش”. وأعلن “حزب تركستان الإسلامي” حينها حل نفسه واندماجه في الجيش، ما خلق ارتياحاً نسبياً في بكين، وإن بقي مصير نحو 1.500 مقاتل مجهولاً.
تبدو دمشق أمام مفارقة استراتيجية حقيقية، فهي، بعد دخولها عملياً في المدار الأميركي، أصبحت بحاجة إلى الصين، المنافسة الرئيسية لأميركا، لتأمين مظلة سياسية متوازنة، ودعم اقتصادي عبر “مبادرة الحزام والطريق”، ووزن استراتيجي يعزز قدرتها على المناورة وسط التنافس الإقليمي والدولي المحتدم، مع الإدراك بأن الاستفادة من الصين لن تكون على حساب علاقاتها مع واشنطن أو غيرها من اللاعبين الإقليميين، بل جزء من صياغة توازنات دقيقة تمنحها هامش حركة أوسع. وقد ساهمت تركيا بدورها في الوساطة بين دمشق وبكين، لا سيما بعد التحول الملحوظ في خطاب أنقرة تجاه الأويغور، من حديث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن “شبه إبادة” عام 2017 إلى تأكيد وزير الخارجية التركي حقّان فيدان خلال زيارته إلى شينجيانغ عام 2024 على “تغير النظرة العالمية تجاه حقوق الأويغور في العالم”، مشدداً على “احترام تركيا لوحدة وسلطة الصين”. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، مررت الصين مشروع القرار الخاص برفع العقوبات الدولية عن أحمد الشرع في مجلس الأمن بعد إدخال تعديلين أساسيين يشددان على وجوب اتخاذ إجراءات حاسمة ضد المقاتلين الإرهابيين الأجانب، وتعزيز العدالة الانتقالية.
على المستوى الاقتصادي، منذ إطلاق “مبادرة الحزام والطريق” في 2013، تنظر الصين إلى سوريا كنقطة استراتيجية جغرافياً واقتصادياً لربط طرق التجارة البرية القادمة من آسيا بالمسارات البحرية إلى أوروبا، مستفيدة من موقعها بين العراق والأردن ولبنان وتركيا وموانئ الساحل السوري مثل طرطوس واللاذقية وشبكة الطرق السورية الرئيسية، مثل M5 و M4، التي تسمح لسوريا بأن تكون عقدة نقل إقليمية ضمن منظومة التجارة العابرة للقارات.
حال الصراع السوري المسلح دون طرح بكين أية مبادرات اقتصادية ذات مغزى، لكن مع بدء الحديث عن إعادة تأهيل نظام الأسد والتطبيع معه، انضمت سوريا إلى “مبادرة الحزام والطريق” في العام 2022، وأعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ والأسد بعدها بعام عن إقامة “شراكة استراتيجية” بين البلدين. وبعد سقوط النظام، بقي النشاط الاقتصادي الصيني متواضعاً، لكن “مبادرة الحزام والطريق” ما زالت تمنح سوريا مزايا مهمة، مثل ربط البنية التحتية السورية بشبكات التجارة الدولية، وجذب استثمارات في النقل والطاقة واللوجستيات، وتحويل سوريا إلى محور عبور بين آسيا وأوروبا.
في الوقت نفسه، تمتلك الصين ميزات تنافسية تجعلها المرشح الأكثر قدرة على قيادة مشاريع إعادة الإعمار في سوريا. فقد اكتسبت الشركات الصينية خلال العقدين الماضيين خبرة واسعة في إعادة بناء مدن مدمرة بالكامل في آسيا وإفريقيا. وتمتلك تلك الشركات تقنيات متقدمة في البنية التحتية الذكية من شبكات الكهرباء المدمجة بالطاقة المتجددة، إلى أنظمة النقل الحديثة والمرافق الرقمية وشبكات الاتصالات وهي تقنيات حيوية وغير مكلفة. إضافة إلى ذلك، تمتلك شركات مثل (Sinopec) و(CNPC) خبرة ميدانية في القطاع النفطي السوري. وتتميز الصين بأنها لا تفرض شروطاً سياسية على استثماراتها، بخلاف بعض الشركاء الغربيين، كما توفر تمويلاً مرناً عبر قروض ميسرة ومشاريع BOT، ما يجعلها قادرة على تنفيذ مشاريع ضخمة حتى في ظل محدودية الموارد المحلية أو حتى العقوبات الدولية. ويبدو أن دمشق كانت مدركة لهذه الميزات منذ البداية. ففي آذار/مارس 2024، أكد وزير الصناعة عبدالقادر جوخدار أن سوريا “تراهن على المساهمة الصينية في تطوير صناعاتها”، كما شدد وزير الخارجية أسعد الشيباني على أهمية زيارته لبكين لتوسيع الدور الصيني في إعادة الإعمار.
على الصعيد السياسي، يمكن أن تشكل الصين رافعة استراتيجية لسوريا الجديدة. فبعد زيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى واشنطن، التي ساهمت في تأهيله دولياً ورفع العقوبات عنه، وضمه إلى التحالف الدولي ضد “داعش”، باتت سوريا تصنف لدى كثيرين ضمن المدار الأميركي، بعد عقود من الانتماء إلى الفلك الروسي و”محور المقاومة” الذي تقوده إيران. غير أن هذا التصنيف يواجه تحدياً جوهرياً: فالسلطات السورية الجديدة، التي ما تزال بحاجة إلى تعزيز شرعيتها داخلياً وخارجياً، وتعاني من ضعف بنيوي في مؤسسات الدولة وغياب جيش قوي، قد يتحول اعتمادها الكامل على محور واحد إلى طريق نحو التبعية أو الخضوع لإملاءات سياسية، ما يفرض عليها تقديم تنازلات مؤلمة. ولذلك، لجأت عملياً إلى تنويع شراكاتها، لتجنب الانغماس الكلي في محور واحد والحفاظ على هامش مناورة أكبر.
في هذا السياق، تمنح الصين دمشق عنصر توازن مهم وفرصة لتخفيف المخاطر في حال تغيرت السياسة الأميركية تجاهها، بحكم سياسة بكين القائمة على احترام سيادة الدول، ودعم وحدة الأراضي السورية، ورفض الإملاءات السياسية. وتتصل هذه الحاجة أيضاً بمستقبل الجيش السوري، الذي ما يزال قيد التشكل، ولم يتضح بعد مصدر تسليحه، ما يفتح المجال أمام الصين لتكون مزوداً تنافسياً محتملاً للجيش السوري بالسلاح والتكنولوجيا الحديثة. لكن السؤال يكمن هنا في قدرة السلطات السورية على المبادرة. وهنا يقول ين كيه وهو مراسل إقليمي لوكالة “شينخوا”، إن الصين ستدعم مساعي النظام السوري الجديد لإرساء السلام والاستقرار، لكنها ستبقى في موقع المراقب الحذر حتى تلتزم سورية بالشرطين اللذين وضعتهما الصين وهما الالتزام بمكافحة الإرهاب بما في ذلك “الحركة الإسلامية التركستانية” والمضي في عملية سياسية جامعة.
عكست زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بكين، والبيان المشترك الصادر بعدها، إرادة مشتركة بمقاربة المحاور الثلاثة التي تشكل أساس الموقف الصيني. ففي الجانب الاقتصادي، أكد الشيباني استعداد سوريا للانخراط في “الحزام والطريق”، من دون توضيح مصير مذكرة 2022 التي وقعها الأسد مع نظيره الصيني. وفي الجانب الأمني، تعهدت دمشق بأن “لا تكون مصدر تهديد للصين”، وبأنها “لن تسمح باستخدام أراضيها للإضرار بأمنها”. وفي الجانب السياسي، جددت الصين موقفها القائل بأن الجولان أرض سورية محتلة، ودعمها للعملية السياسية بقيادة الحكومة السورية التي وصفتها بأنها “الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري”، مؤكدة احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها فيما عبرت دمشق عن التزامها بمبدأ “الصين الواحدة” ورفضها أي مساس به.
في المحصلة، تبدو العلاقات الصينية-السورية أمام مرحلة إعادة تأسيس معمقة، ولا يشكل التقارب الدبلوماسي الأخير سوى بدايتها. فبكين، التي تتعامل بحذر مع السلطة السورية الجديدة، تدرك أن أي انخراط واسع في سوريا سيظل مشروطاً بمدى تفهم دمشق للهواجس الأمنية الصينية وتأسيس عملية سياسية سورية مستقرة وتهيئة بيئة آمنة للاستثمارات. في المقابل، تبدو دمشق أمام مفارقة استراتيجية حقيقية، فهي، بعد دخولها عملياً في المدار الأميركي، أصبحت بحاجة إلى الصين، المنافسة الرئيسية لأميركا، لتأمين مظلة سياسية متوازنة، ودعم اقتصادي عبر “مبادرة الحزام والطريق”، ووزن استراتيجي يعزز قدرتها على المناورة وسط التنافس الإقليمي والدولي المحتدم، مع الإدراك بأن الاستفادة من الصين لن تكون على حساب علاقاتها مع واشنطن أو غيرها من اللاعبين الإقليميين، بل جزء من صياغة توازنات دقيقة تمنحها هامش حركة أوسع. وبذلك، تمثل زيارة الشيباني إلى بكين خطوة أولى على طريق طويل، يختبر خلاله الطرفان حدود الواقعية السياسية وطموحات التعاون بينهما، في بلد لا تزال ملامح نظامه الجديد قيد التشكل، وفي منطقة لا تزال رهينة التحولات السريعة والمعادلات المتغيرة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة