دمشق تستقبل قادة الاتحاد الأوروبي في زيارة تاريخية: كسر للعزلة وبداية فصل جديد من الشراكة السياسية والاقتصادية


هذا الخبر بعنوان "زيارة تكسر الجليد: الاتحاد الأوروبي يفتح صفحة جديدة مع سوريا" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خطوة وُصفت بالتاريخية، شهدت دمشق أول زيارة مشتركة رفيعة المستوى لقادة الاتحاد الأوروبي، تمثلت في وصول رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا. هذا الحدث السياسي اللافت يكسر سنوات طويلة من القطيعة والعزلة التي طبعت العلاقات بين الجانبين.
تأتي هذه الزيارة، بعد أكثر من عقد على اندلاع الثورة السورية، لتتجاوز كونها محطة بروتوكولية، حاملةً رسائل سياسية واقتصادية واضحة. إنها تعيد رسم ملامح مقاربة أوروبية جديدة تجاه سوريا، خاصة بعد سقوط نظام الأسد السابق في كانون الأول 2024، وبدء مرحلة انتقالية مختلفة في البلاد.
لم يترك الاتحاد الأوروبي مجالًا للتأويل، إذ أكد في بيان رسمي أن الزيارة تمثل “فتح فصل جديد في العلاقات مع سوريا”. وخلال اللقاء مع الرئيس السوري أحمد الشرع، جرى بحث إعادة إطلاق العلاقات الثنائية على أسس جديدة، ترتكز على دعم الانتقال السياسي، وإعادة إدماج سوريا إقليميًا، وتهيئة الأرضية لإعادة الإعمار والانتعاش الاقتصادي.
تعكس هذه الصيغة العلنية من التواصل السياسي المباشر، وعلى أعلى مستوى أوروبي، تحولًا نوعيًا في السياسة الأوروبية، وانتقالًا من نهج إدارة الأزمة عن بُعد إلى الانخراط المباشر مع الدولة السورية الجديدة.
لم تكتفِ الزيارة بالإشارات السياسية، بل حدّدت بوضوح محاور التعاون المقبلة، والتي اعتُبرت خارطة طريق أولية للعلاقة بين الجانبين:
أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في تصريح لافت، أن “عقودًا طويلة من الخوف والصمت وعنف الدولة بدأت تتراجع أمام الأمل وإمكانية التجديد”، مشددة على أن الاتحاد الأوروبي جاء “ليعمل من أجل سوريا وجميع السوريين”، بهدف بناء دولة سلمية وشاملة وآمنة.
وفي الوقت نفسه، ربطت فون دير لاين بوضوح بين الدعم الأوروبي وتنفيذ إصلاحات فعالة، معتبرة أن المصالحة المستدامة وإعادة الإعمار الناجحة لا يمكن أن تتحققا دون بناء الثقة بالمؤسسات وتعزيز الحكم الرشيد.
تأتي الزيارة في سياق سياسي مختلف كليًا عما كان عليه المشهد خلال السنوات الماضية. فبعد سقوط نظام الأسد السابق، بدأت دمشق مرحلة إعادة تموضع دولي تدريجي، كان الاتحاد الأوروبي أحد أبرز أطرافه.
الاتحاد، الذي قدّم منذ عام 2011 أكثر من 38 مليار يورو دعمًا سياسيًا وإنسانيًا وماليًا، اتخذ في عام 2025 خطوات مفصلية، أبرزها رفع جميع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، ومشاركة السلطات الانتقالية لأول مرة في مؤتمر بروكسل التاسع، الذي أفضى إلى تعهدات مالية كبيرة. كما شهد العام نفسه تنظيم “يوم الحوار” في دمشق، بمشاركة أكثر من 300 ممثل عن المجتمع المدني، في محاولة لبناء الثقة وترسيخ أسس مستقبل سياسي جامع.
يرى الصحفي محمد العويد أن أهمية الزيارة لا تنفصل عن توقيتها، معتبرًا أنها تحمل رسالة موافقة ضمنية على مسار الدولة السورية الموحدة، لا سيما أنها جاءت بالتزامن مع دخول الدولة إلى حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، بما يعكس توجهًا أوروبيًا واضحًا لإنهاء مرحلة المليشيات خارج إطار الدولة.
ويشير العويد، في حديث لمنصة سوريا 24، إلى أن التعهدات المالية الأوروبية، وتزامنها مع إعادة فرنسا جزءًا من أموال رفعت الأسد المصادرة لصالح الدولة السورية، تعكس انتقالًا عمليًا من الخطاب السياسي إلى خطوات دعم ملموسة لمرحلة ما بعد النظام السابق.
تتجاوز دلالات الزيارة بعدها الرمزي، لتشير إلى إدراك أوروبي متزايد بأن تجاهل الواقع السوري لم يعد خيارًا عمليًا. فالملفات المرتبطة بإعادة الإعمار، والاستقرار الإقليمي، وعودة اللاجئين، وحماية المصالح الأوروبية في شرق المتوسط، تفرض مقاربة أكثر واقعية تقوم على الانخراط المنضبط بدل القطيعة.
كما تؤسس هذه الزيارة لمرحلة قد تُعيد إدراج سوريا في النقاشات الإقليمية والدولية، ليس كملف أزمة مزمن، بل كدولة في طور إعادة البناء، تحتاج إلى شراكات سياسية واقتصادية طويلة الأمد.
وقال الدكتور أنس البو، مستشار سياسي وخبير في العلاقات الدولية، في حديث لمنصة سوريا 24، إن الزيارة المشتركة الأولى لقادة الاتحاد الأوروبي إلى سوريا تمثل محطة مفصلية في مسار العلاقات الثنائية لما تحمله من دلالات سياسية واقتصادية عميقة، فهي تعكس اعترافًا أوروبيًا متزايدًا بضرورة الانخراط المباشر مع الواقع السوري الجديد، والانتقال من سياسة العزل إلى مقاربة تقوم على الحوار والانفتاح المرحلي.
وتابع أن الزيارة توصف بالتاريخية لأنها تعكس تحولًا من سياسة الابتعاد إلى الرغبة في الفهم والحوار المباشر، وبحث آفاق التعاون في مجالات التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار ودعم الاستقرار الإقليمي. كما تبعث الزيارة برسالة واضحة، مفادها أن سوريا عادت إلى دائرة الاهتمام الدولي كشريك لا كملف مجمّد، بما يخدم مصالح الطرفين ويعزز فرص التنمية والسلام في المنطقة، وفق تعبيره.
لا تعني الزيارة المشتركة لقادة الاتحاد الأوروبي إلى دمشق نهاية التحديات، لكنها تشكل نقطة تحوّل واضحة في مسار العلاقات، وفق المصادر التحليلية التي تحدثت لمنصة سوريا 24. إنها تؤشر إلى اعتراف سياسي أوروبي بمرحلة سورية جديدة، وتفتح الباب أمام مسار طويل من التفاوض والتعاون المشروط، عنوانه الأبرز: دعم الاستقرار مقابل الإصلاح.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة