حكمة النساء: من فض نزاع ريفي في سوريا إلى بناء السلام في سريلانكا


هذا الخبر بعنوان "حين منعت امرأتان حرباً بين رجلين.. نحن أهل" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في تسعينيات القرن الماضي، شهدتُ عن كثب قدرة امرأتين ريفيتين على احتواء مشكلة كادت تتصاعد من مجرد ملاسنة كلامية إلى عراك بالأيدي بين رجلين اختلفا حول حدود أراضيهما المتداخلة. بسرعة فائقة، بادرت زوجة أحد الرجلين بالاتصال بزوجة الرجل الآخر، وطلبت منها إقناع زوجها بالعودة إلى المنزل، وفعلت هي المثل. بعد جهود مضنية، نجحت الزوجتان في مسعاهما، لكن دورهما لم يتوقف عند هذا الحد.
عملت الزوجتان، وفقاً لـ "سناك سوري" بقلم رحاب تامر، على تهدئة الموقف وتخفيف حدة المشكلة. استخدمتا عبارات حكيمة مثل "ما في شي مستاهل"، و"نحن أهل"، و"فكر بهدوء بعدين منلجأ للقضاء"، وغيرها من الكلمات التي كان لها تأثيرها البالغ في تبديد غضب الرجلين وتجاوز لحظة الانفعال. ونتيجة لذلك، اجتمع الرجلان في مساء اليوم نفسه وحلّا خلافهما بشكل ودي.
في خضم تصاعد الأصوات واشتداد الانفعالات، أظهرت الزوجتان قدرة فريدة على تجاوز لحظة الغضب، مستدعيتين حكمة نابعة من إدراك عميق لقيمة الاستقرار المجتمعي وأهمية العلاقات الإنسانية. لم يلتفت أحد في ذلك الوقت إلى "بطلات الحل" كما أسميتهما وأنا في سن المراهقة، حيث استمعتُ في صباح اليوم التالي إلى حديثهما الساخر وهما تحتسيان القهوة، تروي كل واحدة منهما تفاصيل حوارها مع زوجها قبل أن تنفجر الجارات ضاحكات من تفاهة المشكلة التي كادت أن تتسبب في قطيعة تامة بين عائلتين متجاورتين.
على بساطته، يجسد هذا المشهد قدرة النساء الفائقة على تعزيز السلم الأهلي والاضطلاع بدور فعال في المواقف التي قد يغفل عنها الآخرون. ففي اللحظات التي تتصاعد فيها التوترات وتشتد الانفعالات، تتمتع النساء بقدرة على استشراف ما هو أبعد من الغضب الآني، مستلهمات الحكمة من إدراكهن العميق لقيمة الاستقرار المجتمعي وأهمية العلاقات الإنسانية.
لم تكن هذه المبادرة نتاج تخطيط مسبق، بل كانت فعلاً فطرياً نابعاً من إحساس عميق بالمسؤولية تجاه العائلة والمجتمع، مصحوباً بمهارة في التعامل مع المشكلات. فالنساء، غالباً ما يعملن، بفضل عوامل التربية، على حل النزاعات والتعامل معها بحكمة، كما حدث في هذه الواقعة حيث أدركن أن الخسارة الحقيقية لا تكمن في قطعة أرض صغيرة، بل في تمزق النسيج الاجتماعي الذي يربط الجيران والأهل.
يتساءل المقال: لماذا لا نستثمر هذه القدرة الكامنة لدى النساء في تعزيز السلم الأهلي، خاصة في بلد مثل سوريا، حيث بلغت الانقسامات أشدها وما زالت تبعات الحرب تفتك بالبلاد؟ ويطرح تساؤلاً حول تجربة فيساكا: هل يمكن للسوريات قيادة طريق المصالحة؟
في قصة السيدتين الريفيتين اللتين تصدّيتا للنزاع بعفوية ومسؤولية، تتجلى صورة النساء كخط دفاع أول عن النسيج الاجتماعي عندما تتصدّع العلاقات ويغيب التعقل. هذا الدور "غير المرئي" لا يقتصر على قرانا ومجتمعاتنا المحلية، بل يتردد صداه بوضوح في تجارب دول أخرى أنهكتها الحروب.
قادت الناشطة السيرلانكية "فيساكا دارماداسا" واحدة من أنجح هذه التجارب، إذ حوّلت حزنها العميق على فقدان ابنها في الحرب الأهلية ببلادها إلى مبادرة وساطة فردية. ففي عام 2000، جمعت معها أمهات لمفقودين، ثم سافرت برفقتهن إلى أراضي حركة "نمور التاميل" المتمردة ضد الحكومة آنذاك، في مهمة كانت محفوفة بالمخاطر.
التقت الأمهات بأحد القادة الميدانيين للحركة، وحملنه رسائلهن إلى قادة "نمور التاميل". وبعد أيام قليلة، وصل الرد غير المتوقع، حيث أعلنت الحركة وقفاً أحادي الجانب لإطلاق النار في كانون الأول من عام 2000، استجابة لوساطة الأمهات.
لكن دور "دارماداسا" لم يتوقف عند هذا الإنجاز، فقد أسست "رابطة النساء المتأثرات بالحرب" (AWAW)، وهي منظمة جمعت نساء من الطرفين المتنازعين للعمل معاً على إعادة بناء الثقة المجتمعية وتعزيز مشاركة النساء في الحياة السياسية بعد انتهاء الحرب. ومن خلال هذه الرابطة، تلقت آلاف النساء تدريباً في العمل السياسي والقيادي، مؤمنات بأن التغيير الحقيقي ينبع من القاعدة، من النساء اللواتي عشن مرارة الحرب بكامل ألمها، وقررن صنع السلام بأيديهن.
تُظهر تجربة "دارماداسا" بوضوح أن تدخل النساء لا يتطلب تصريحاً رسمياً، أو وساطة دولية، أو حتى ضغطاً نسوياً، بل يكتفي بشعور عميق بالمسؤولية الإنسانية والقدرة على اتخاذ المبادرة. ومن ريف سريلانكا إلى ريف سوريا، يبدو أن النساء، على الرغم من اختلاف الجغرافيا، يتشاركن في موهبة فطرية لاحتواء النزاعات بالحكمة والتعقل، لا بالصوت العالي.
إن ما أنجزته "فيساكا" يمكن لآلاف النساء السوريات أن يحققنه، لو أُتيحت لهن المساحة الكافية والثقة والدعم اللازم. فهن يمتلكن معرفة عميقة بقرى الجيران ومفاتيح الحوار، والأهم من أي اتفاق سياسي، لديهن رغبة حقيقية في إنقاذ ما تبقى من الروح السورية. وكما قال وزير خارجية ناميبيا ذات مرة: "النساء يشكلن نصف المجتمع، فلماذا لا يشكلن نصف الحلول؟".
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة