PKK: من حركة أيديولوجية مسلحة إلى منظومة عابرة للحدود تستغل الطفولة في سوريا


هذا الخبر بعنوان "من نشأة السلاح إلى اختطاف الطفولة كيف تحوّل مشروع PKK إلى منظومة إجرام عابرة للحدود" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يولد تنظيم PKK في أواخر سبعينات القرن الماضي كحركة سياسية تسعى لتحقيق حقوق ضمن أطر مدنية، بل نشأ ككيان أيديولوجي مغلق يرى في السلاح الوسيلة الوحيدة لفرض مشروعه. ومنذ حمله السلاح رسمياً في تركيا عام 1984، دخل التنظيم في مسار طويل من العنف المسلح، مخلفاً وراءه عشرات الآلاف من الضحايا ودماراً واسعاً في القرى والمدن. ولم يكن المدنيون يوماً بمنأى عن الاستهداف، سواء بالقتل أو التهجير أو الترهيب، وصولاً إلى تصفية المعارضين من أبناء المكون الكردي نفسه.
مع انتقال هذه التجربة إلى سوريا، لم يتغير جوهر المشروع، بل تغيرت واجهته فقط. فقد استُنسخ المشروع ذاته تحت عناوين جديدة، ومع الفوضى التي فرضتها الحرب، تمددت الأذرع المرتبطة بـ PKK في شمال سوريا، وفرضت سيطرتها بقوة السلاح بدلاً من القبول المجتمعي. تحولت مناطق كاملة إلى ساحات نفوذ مغلقة تُدار بعقلية عسكرية أمنية تقصي المجتمع وتعيد تشكيله وفق سردية واحدة.
أحد أخطر أوجه هذا المشروع في سوريا تمثل في التعامل مع الأطفال والقاصرين. فلم يُنظر إليهم كجيل يجب حمايته، بل كخزان بشري قابل للتشكيل والتجنيد. انتشرت حالات خطف الفتيان والفتيات من محيط المدارس والشوارع ومن البيوت نفسها، ثم يُقطع الاتصال مع عائلاتهم. ويُقدم الخطف بوصفه "اختياراً ثورياً"، في إنكار كامل لسن الطفل وغياب إرادته.
بعد الخطف، تبدأ عملية الأدلجة الممنهجة، حيث يُمنع التعليم النظامي أو يُفرغ من مضمونه، ويُستبدل بمعلومات تاريخية وسياسية مشوهة ومزورة تُقدم للطفل على أنها حقيقة مطلقة. يُلقن الطفل أن الأرض التي يعيش عليها "مغتصبة"، وأن العرب "محتلون"، وأن السلاح هو الطريق الوحيد لاستعادة الكرامة. وتُبنى هوية بديلة قائمة على الصراع الدائم والعدو الدائم والموت بوصفه ذروة الانتماء.
هذه الصورة لم تأتِ فقط من روايات محلية، بل وثقتها أيضاً وسائل إعلام أوروبية من داخل مناطق السيطرة نفسها. ومن أبرزها تحقيق ألماني نُشر على موقع CRISIS تحت عنوان "Kampf im Untergrund"، وهو تحقيق مصور أُنجز ميدانياً في شمال شرق سوريا، وركز على الحياة داخل شبكة الأنفاق العسكرية التابعة لوحدات مرتبطة بقسد.
لا تكمن أهمية هذا التحقيق في رأي سياسي، بل في الشهادات المباشرة التي نقلها، حيث ظهرت مقاتلات يتحدثن عن القتل والسلاح والحياة تحت الأرض بوصفها أمراً "طبيعياً"، بل "شعوراً رائعاً" وفق تعبير إحداهن. وعند سؤال إحداهن عن عمرها وتاريخ انضمامها، جرى إيقاف السؤال من قبل مسؤولين، ما يفتح تساؤلاً خطيراً حول مسألة القاصرين داخل هذه التشكيلات.
أظهر التحقيق الأنفاق ليس كملاجئ مؤقتة، بل كنظام حياة مغلق تُعرض فيه صور "الشهداء" وتُلقى الخطابات وتُعاد صياغة الوعي يومياً. وحين سُئلت إحدى المقاتلات عن إمكانية العودة إلى حياة مدنية بلا سلاح، كان الجواب صادماً: "من الصعب أن نعيش حياة طبيعية مرة أخرى"، وهي جملة تختصر حجم الضرر النفسي والإنساني الذي يُصنع داخل هذه المنظومة.
ما يعزز خطورة ما ورد في التحقيق أنه يتقاطع مع تقارير هيومن رايتس ووتش والأمم المتحدة التي وثّقت خلال السنوات الماضية استمرار تجنيد قاصرين في شمال سوريا، رغم التعهدات المعلنة بوقف هذه الممارسات. ووفق القانون الدولي الإنساني، فإن تجنيد أو استخدام أي شخص دون 18 عاماً في النزاعات المسلحة يُعد انتهاكاً جسيماً بغض النظر عن الذرائع أو الشعارات.
إن أخطر ما في مسيرة PKK وأذرعه في سوريا ليس فقط العمليات العسكرية أو التفجيرات أو القصف، بل تحويل الطفولة إلى وقود مشروع، وتحويل التعليم إلى أداة تعبئة، وتحويل الهوية إلى سلاح موجه ضد المجتمع نفسه. فالقضية التي تبدأ بخطف طفل لا يمكن أن تنتهي بعدالة، والمشروع الذي يحتاج إلى تزوير التاريخ كي يعيش إنما يبني مستقبله على هشاشة وكذب وعنف مؤجل.
هذا ليس صراع روايات، بل صراع على الإنسان نفسه، على عقله ومستقبله وحقه في أن يكبر دون أن يُدفع إلى نفق لا عودة منه.
ريم الناصر - زمان الوصل
سوريا محلي
سياسة
سياسة
سياسة