لماذا تتعثر التفاهمات في سوريا؟ غياب الإطار السياسي وتحديات الحكم المحلي


هذا الخبر بعنوان "التفاهمات المؤجلة في سوريا" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
رأي - مالك الحافظ: يرى الكاتب مالك الحافظ أن تعثر تنفيذ التفاهمات المعلنة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، والتي تستند إلى اتفاق العاشر من آذار 2025، لا يمكن اختزاله في مجرد خلافات تقنية أمنية أو إدارية. بل يكمن جوهر المشكلة في غياب إطار سياسي واضح ومنظم يحدد طبيعة العلاقة بين "المركز" والفاعلين المحليين، ويضع الحكم المحلي ضمن رؤية وطنية شاملة للدولة.
منذ سقوط نظام الأسد البائد، لا تزال بنية الحكم في سوريا في مرحلة التكوين، حيث لم يتبلور بعد نموذج محدد لإدارة السلطة، ولا تعريف واضح لحدود المركزية، ولا صيغة مستقرة لتنظيم العلاقة بين الدولة والمناطق المحلية التي نشأت خلال السنوات الماضية. هذا الغموض يؤثر بشكل مباشر على أي تفاهمات تُبرم مع القوى المحلية ذات النفوذ السياسي والإداري القائم.
يجب أن تقوم العلاقة بين المركز والمناطق على أسس دستورية أو سياسية متفق عليها، بدلاً من الاعتماد على تفاهمات مؤقتة تفتقر إلى مرجعية شاملة تحدد مساراتها. لا يمكن النظر إلى بنية الحكم التي تمثلها "قسد" من منظور إداري أو أمني فحسب، فقد تشكلت هذه البنية ضمن سياق اقتصاد نزاع طويل الأمد، مرتبط بإدارة الموارد والتحكم بسلاسل التوريد. يشكل هذا البعد الاقتصادي سبباً رئيسياً لاستمرارية هذه البنى وقدرتها على الصمود، كما تشير أدبيات اقتصاديات النزاع.
في هذا الإطار، يرتبط تعثر التفاهمات مع "قسد" بإعادة توزيع السلطة الاقتصادية بقدر ارتباطه بالترتيبات السياسية. وعليه، فإن أي اتفاق لا يعالج مسألة الموارد، وإدارتها، وكيفية دمجها ضمن منظومة مالية وطنية، سيظل محدود الأثر. فالهياكل المحلية التي اكتسبت نفوذاً اقتصادياً كبيراً خلال الحرب لا يمكن تفكيكها أو دمجها بترتيبات شكلية، مما يجعل هذه الاتفاقات عرضة للانهيار عند أول اختبار عملي.
كما أن النقاش حول شكل الحكم، بما في ذلك المركزية واللامركزية الإدارية أو السياسية، لا يزال يدور في إطار عام، دون الانتقال إلى بحث وظيفي في آليات الإدارة والتمثيل وتقاسم الصلاحيات. يجب ألا تتحول اللامركزية إلى واقع تفرضه ظروف الإدارة اليومية، بل ينبغي أن تكون خياراً سياسياً منظماً يُناقش ضمن مشروع وطني شامل.
إن التعامل مع واقع مناطق "قسد"، أو شمال شرق سوريا، أو مناطق الجزيرة، أو شرق الفرات، التي تمثل بنى حكم محلية تضم مؤسسات مدنية وإدارية واقتصادية وتعمل ضمن شبكة علاقات خارجية فاعلة، دون تصور واضح لكيفية دمجها ضمن الدولة، يجعل أي تفاهم عرضة للتعليق أو إعادة التفاوض. كما أن غياب رؤية متكاملة للحكم المحلي يترك العلاقة بين المركز وهذه البنى في حالة تفاوض مفتوحة، لا تحكمها سقف سياسي نهائي، مما يحول الاتفاقات إلى أدوات إدارة مؤقتة بدلاً من خطوات اندماج مؤسسي طويل الأمد.
يُضيف العامل الإقليمي طبقة أخرى من التعقيد، حيث يشكل الشمال السوري نقطة التقاء لمصالح متباينة، بما في ذلك اعتبارات أمنية إقليمية وتفاهمات دولية تتجاوز السياق السوري الداخلي. هذا التشابك قد يجعل أي تفاهم داخلي رهيناً لسقوف خارجية غير مستقرة، مما يضعف قدرة الأطراف المحلية على تحويل الاتفاقات إلى مسارات دائمة.
على الصعيد الدولي، قد يُنظر إلى الحكم المحلي أو اللامركزي في سوريا كأداة لإدارة الاستقرار وتخفيف الأعباء الأمنية، لكنه لا يُعتبر مدخلاً لإعادة بناء الدولة على أسس سياسية واضحة. هذا النهج قد يعزز استمرار هياكل حكم جزئية دون ربطها بإطار وطني موحد، ويُبقي مسألة إعادة تنظيم السلطة في إطار معلق.
يمكن أيضاً فهم تعثر التفاهمات مع "قسد" ضمن إطار الحوكمة متعددة المستويات، التي تفترض أن السلطة في الدول الخارجة من نزاعات طويلة لا تُمارس من مركز واحد، بل تتوزع عبر مستويات حكم مختلفة، لكل منها وظائف وصلاحيات محددة. في الحالة السورية، يظهر هذا التوزيع كواقع فرضته الحرب دون إعادة تنظيم مؤسسي. فالمركز يتصرف كمرجعية عليا دون تحديد دقيق لما يقع ضمن صلاحياته وما يمكن تفويضه للمستوى المحلي، مما يجعل العلاقة مع الفاعلين المحليين علاقة تفاوض مفتوحة وليست علاقة اندماج منظم.
إن غياب هذا التصميم المؤسسي يضع أي تفاهم مع "قسد" في حالة هشاشة دائمة، لأنه لا يستند إلى إطار وطني يحدد مستويات الحكم وأدوارها، بل إلى ترتيبات مؤقتة قابلة للتجميد أو إعادة التفسير. في ظل هذا الوضع، قد لا تتحول الاتفاقات إلى أدوات لبناء الدولة، بل تبقى وسائل لإدارة التوازنات في دولة انتقالية لم تحسم بعد كيفية توزيع سلطتها داخلياً. وبدون نقاش سياسي واضح حول شكل الدولة، وتوزيع الصلاحيات، وموقع الحكم المحلي ضمن الإطار الوطني، ستبقى الاتفاقات عرضة للتوقف أو إعادة التفسير، لأنها تُبنى على أرضية غير مستقرة مؤسسياً. في هذا السياق، تستمر اللامركزية كواقع عملي غير منظم، وتبقى المركزية إطاراً خطابياً محدوداً لا تدعمه آليات تنفيذ واضحة، ضمن دولة لم تحسم بعد كيفية إدارة سلطتها ولا حدودها الفعلية.
سياسة
سياسة
سياسة
سوريا محلي