زيارة تاريخية للرئيس السوري أحمد الشرع إلى برلين تفتح ملف اللاجئين وتحديات العلاقات الثنائية


هذا الخبر بعنوان "الشرع إلى برلين وسط جدل محتدم حول اللاجئين السوريين" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يستعد الرئيس السوري أحمد الشرع للوصول إلى العاصمة الألمانية برلين يوم الإثنين الموافق 19 يناير 2026 في زيارة رسمية، تمثل أول لقاء بهذا المستوى بين رئيس سوري وقادة ألمانيا منذ عقود طويلة. وتأتي هذه الزيارة، التي نقلت تفاصيلها صحيفة بيلد الألمانية، بدعوة من المستشار الألماني فريدريش ميرتس، وتُعد محطة دبلوماسية بالغة الأهمية في مسار العلاقات بين برلين ودمشق.
تكتسب الزيارة أهميتها بعد إعادة افتتاح سفارة ألمانيا في دمشق في مارس 2025، في أعقاب تحولات سياسية كبرى شهدتها سوريا بعد ثورة استمرت 14 عامًا. وتحتل الزيارة موقعًا حساسًا على الساحة الألمانية، حيث من المتوقع أن تثير نقاشات واسعة حول ملف عودة اللاجئين السوريين، خاصة أولئك الذين يحملون سجلات جنائية أو يُعتبرون مصدر خطر أمني.
وستتناول المباحثات خلال الزيارة تطبيق اتفاقيات الترحيل المبرمة بين برلين ودمشق، بهدف تنظيم عمليات العودة بشكل رسمي. ومن المقرر أن تتضمن الزيارة اجتماعات مكثفة بين الرئيس الشرع والمستشار ميرتس، بالإضافة إلى مسؤولين رفيعي المستوى في الحكومة الألمانية، في سياق يجمع بين الاعتبارات الأمنية والإنسانية والاجتماعية.
لم يعد الملف السوري قضية هامشية في الحياة اليومية والسياسية الألمانية. فقد أصبح اللاجئون السوريون، الذين استقبلتهم ألمانيا منذ اندلاع الثورة، محور نقاشات حادة بين مختلف الأطراف السياسية.
في المعسكر المحافظ، أطلق وزير الداخلية تحذيرات بشأن "تهديدات أمنية قائمة" تُنسب إلى بعض السوريين المصنفين كمجرمين، مؤكدًا أن اتفاقيات الترحيل تهدف إلى إعادتهم إلى سوريا بطريقة قانونية ومنظمة. وعلى النقيض، أعرب عدد من الوزراء في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي عن مخاوفهم من عمليات الترحيل الجماعي، مشددين على أهمية ضمان العودة الطوعية والآمنة للاجئين في ظل الظروف المتغيرة في سوريا.
من جهته، يواصل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) ممارسة الضغط لتبني سياسة أكثر صرامة تجاه اللاجئين، معتبرًا إياهم عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا. في المقابل، تحذر منظمات حقوق الإنسان والجمعيات المدنية من تزايد الخطاب المعادي للسوريين، والذي قد يؤثر سلبًا على عملية الاندماج وعلى المجتمع الألماني ككل على المدى الطويل، خاصة في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم.
أكدت مصادر دبلوماسية ألمانية وسورية أن المباحثات المرتقبة لن تقتصر على ملف عودة اللاجئين المصنفين كمجرمين فحسب، بل ستتوسع لتشمل إطارًا أوسع من التعاون بين برلين ودمشق. ومن المتوقع أن يتم بحث آليات تطبيق اتفاقيات الترحيل، مع ضمان التنسيق التقني والقانوني بين البلدين للحفاظ على الإجراءات المتفق عليها.
في الوقت ذاته، تعكس هذه الزيارة رغبة ألمانيا في تعزيز العلاقات الثنائية مع سوريا في مجالات سياسية وأمنية، وقد تمتد لتشمل جوانب اقتصادية محدودة، مثل مشاريع إعادة الإعمار أو التبادل التجاري.
يُشكل أكثر من مليون سوري يعيشون في ألمانيا جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي الألماني. وتتراوح أوضاعهم بين الاندماج الكامل في المجتمع الألماني وبين تطلعهم إلى الاستقرار أو العودة إلى وطنهم الأم. وتبقى قضية العودة الآمنة والطوعية ملفًا بالغ الحساسية، حيث تتداخل المصالح الفردية مع متطلبات السياسة الداخلية، التي تسعى للتوازن بين الضغوط الأمنية والاعتبارات الإنسانية والاجتماعية، وتأثيراتها على الأجيال القادمة.
ويرى مراقبون أن قياس نجاح هذه الزيارة لن يقتصر على تنفيذ بنود الترحيل فحسب، بل سيمتد ليشمل قدرتها على إرساء مسارات عملية وآمنة للعودة الاختيارية، مع توفير ضمانات إنسانية ملموسة وبناء الثقة المتبادلة بين برلين ودمشق في ملفات تحتاج إلى وقت طويل للبت فيها.
شهدت العلاقات بين ألمانيا وسوريا مسارًا مليئًا بالتقلبات. فقبل اندلاع الثورة السورية عام 2011، كانت العلاقات الدبلوماسية طبيعية، وشملت تبادل السفراء والتعاون في المجالات السياسية والتجارية. إلا أن ألمانيا أغلقت سفارتها في دمشق عام 2012 بعد بدء الثورة، وقلصت اتصالاتها الرسمية، مع توجيه انتقادات لاستخدام العنف ضد المدنيين وفرض عقوبات اقتصادية على نظام بشار الأسد.
بدأت فترة القطيعة في التراجع بعد نهاية عام 2024، إثر سقوط نظام بشار الأسد، وما تبعه من حراك دبلوماسي ألماني نشط تجاه دمشق. وفي مارس 2025، أعادت ألمانيا افتتاح سفارتها في دمشق، في خطوة رمزية نحو استئناف الانخراط الدبلوماسي مع السلطات السورية الجديدة.
وشهد العام الماضي لقاءات متعددة بين البلدين، كان أبرزها استقبال الرئيس الشرع لوزيرة الخارجية الألماني في دمشق في أكتوبر 2025، حيث جرى بحث سبل تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والإنساني في مرحلة ما بعد الثورة السورية. وبذلك، فإن زيارة الرئيس الشرع إلى برلين في 19 يناير 2026 تتجاوز كونها مجرد حدث دبلوماسي بروتوكولي، لتمثل مؤشرًا على مرحلة جديدة في العلاقات بين أوروبا وسوريا، حاملةً معها فرصًا وتحديات سياسية واجتماعية، وتعكس التحولات الكبيرة التي طرأت على المنطقة بعد الثورة السورية الطويلة.
سياسة
اقتصاد
سياسة
سياسة