أفريقيا تتحدى إرث الاستعمار: كرة القدم تكشف الغطرسة الأوروبية وتستحضر روح لومومبا


هذا الخبر بعنوان "أفريقيا تنتفض بوجه الاستعمار: الأسد يلتهم «الغول»" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما عمل الاستعمار الأوروبي في القارة الإفريقية، على مدى عقود، على استغلال الأراضي ونهب الثروات، ما أدى إلى استعادة القارة العجوز (أوروبا) لشبابها على حساب مستقبل نظيرتها السمراء (أفريقيا). ورغم "انتهاء" الاستعمار المباشر في العديد من الدول الإفريقية، وتزامناً مع مقاومته في دول أخرى، لا يزال "الغول" الأوروبي يحوم حول القارة السمراء بأوجه وأدوات مختلفة، ومن أبرزها كرة القدم، حيث تتجلى هذه الصورة بوضوح في بطولة كأس أمم إفريقيا.
تتعالى الصرخات الأوروبية استنكاراً في كل نسخة من كأس أمم إفريقيا، البطولة الأكبر والأهم في القارة السمراء، التي تتقاطع مبارياتها كل عامين مع روزنامة دوريات القارة العجوز. تتعرض هذه البطولة باستمرار لانتقادات من "الحناجر البيضاء" من مدربين ورؤساء اتحادات وإعلاميين. تعكس هذه الاتهامات المجحفة والمتكررة، ذات النكهة الاستعمارية، تعالي وأنانية الأوروبيين، متناسين فضل اللاعبين الأفارقة الذين أسهموا على مدى عقود في بناء مجد الأندية الأوروبية، وحتى المنتخبات بعد تجنيسهم، كما هو الحال في المنتخب الفرنسي على سبيل المثال لا الحصر. ورغم وفرة المواهب الإفريقية المتميزة في كرة القدم الأوروبية، تُقابل البطولة الكبرى في القارة السمراء بازدراء، ما يمثل استمراراً لاستغلال ثروات إفريقيا وعدم احترام القارة نفسها.
في عام 2021، وصف الألماني يورغن كلوب، المدرب الألماني السابق لنادي ليفربول، خلال مؤتمر صحفي كأس أمم إفريقيا بأنها "بطولة صغيرة". ورغم الغضب الكبير في الأوساط الرياضية الإفريقية، لم يعتذر كلوب، بل أوضح أنه كان يمزح. رداً على ذلك، صرح أليو سيسيه، مدرب منتخب السنغال السابق، بأن المدرب الألماني لم يصل إلى مكانة النجومية إلا "بفضل لاعبي كرة القدم الأفارقة"، وأنه "كان يخسر جميع المباريات النهائية حتى أنقذه صلاح وماني وماتيب ليحققوا له أول لقب أوروبي كبير في مسيرته". يُذكر أن ليفربول، بقيادة كلوب، فاز بدوري أبطال أوروبا 2019 بعد أن سجل المصري محمد صلاح الهدف الأول في المباراة النهائية أمام توتنهام.
وعلى نسق كلوب، صرح رئيس نادي نابولي، أوريليو دي لورينتيس، في مقابلة صحفية بأنه لن يتعاقد مع لاعبين أفارقة إلا إذا رفضوا المشاركة في كأس أمم إفريقيا، قائلاً: "كفى أفارقة، ما لم يتخلوا عن اللعب في كأس أمم إفريقيا. لن أتعاقد معهم بعد الآن لهذا السبب. ندفع رواتبهم لنرسلهم إلى مختلف أنحاء العالم للعب مع فرق أخرى في منتصف الموسم". جاء الرد على هذا التصريح اللاذع عبر الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (كاف) الذي طالب الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (ويفا) بمعاقبة لورينتيس، مؤكداً أهمية البطولة. وكان لاعبون كثر قد انتقدوا تصريحات كلوب ودي لورينتيس، أبرزهم قائد نابولي ومنتخب السنغال السابق خاليدو كوليبالي.
بلغت الرؤية الاستعمارية أوجها عندما وجهت الأندية الأوروبية الكبرى عبر رابطة أنديتها رسالة إلى فيفا تهدد فيها بمنع مشاركة اللاعبين الأفارقة المنتسبين إلى فرق أوروبية في بطولة كأس أمم إفريقيا التي أقيمت في الكاميرون عام 2021. ادعت الرابطة حينها مخاوفها من الإصابة بفيروس كورونا المتحور "أوميكرون"، وزعمت أن البروتوكولات الصحية المطبقة في البطولة غير كافية، رغم استئناف المباريات بشكل طبيعي في القارة العجوز، وهو ما مثل رسالة فوقية مفادها أن الأفارقة غير قادرين على وضع بروتوكولات صحية فعالة لحماية اللاعبين كما هو الحال في أوروبا، وأن أنديتهم يجب أن تعطى الأولوية على حساب المنتخبات الوطنية الإفريقية.
لم تخلُ بطولة كأس أمم إفريقيا الجارية في المغرب من انتقادات غربية مقيتة. أبرز الهجمات الممنهجة جاءت عبر البلجيكي هوغو بروس، مدرب منتخب جنوب إفريقيا، الذي انتقد تنظيم المغرب لبطولة كأس أمم إفريقيا 2025 بسبب المسافة الكبيرة التي تفصل مقر إقامة البعثة عن ملعب التدريب، معرباً عن استيائه الشديد من الظروف اللوجستية التي يواجهها فريقه. وفي وجه هذا التصريح، كثرت الردود المشيدة بنجاح البطولة، أما الرد الأفضل، فكان بطله نجم الأهلي والكرة المصرية السابق محمد أبو تريكة، الذي قال في تصريحات إعلامية عبر شاشة "بي إن سبورتس" خلال الاستوديو التحليلي لمباراة الكاميرون وجنوب أفريقيا: "جئت من بلجيكا لكي تعلمنا هنا؟ أرنا نفسك من خلال كرة القدم فقط". وتابع: "إلى الذين يهاجمون النظام في قارة إفريقيا، انظروا إلى أنفسكم قبل أن تتكلموا. هذه القارة غنية بالتاريخ، أنتم الذين خربوا القارة ونهبوا ثرواتها".
بعيداً عن ردود الاتحاد الكروي الإفريقي واللاعبين والإعلاميين بوجه الغرور الأبيض، تُعد الأرقام والإحصائيات دليلاً حاسماً على جمالية وأهمية كأس أمم إفريقيا التي فاقت ربما بتميزها في النسخة الجارية الإقبال على البطولات الأوروبية. تميزت نسخة المغرب 2025 بتنظيم مميز في المنشآت الرياضية والبنى التحتية بالإضافة إلى سلاسة في سير المباريات تقنياً وتحكيمياً. زاد الأمر جاذبية في أعين المشجعين حول العالم اقتراب المستوى العالي بين غالبية المنتخبات، وهو ما انسحب إلى الأمتار الأخيرة من المسابقة.
حطمت نسخة كأس أمم إفريقيا 2025 الأرقام القياسية على صعيد الجماهير، حيث سجلت مباريات ربع النهائي وحدها حضوراً بلغ 160 ألفاً و228 متفرجاً. وسجلت مباراة المنتخب المغربي أمام نظيره الكاميروني أكبر حضور جماهيري في هذا الدور بـ64 ألفاً و178 متفرجاً، متبوعة بمباراة المنتخب الجزائري والنيجيري بحضور بلغ 32 ألفاً و452 متفرجاً. وفي الدور النصف نهائي، شهدت مباراة مصر أمام السنغال 52 ألفاً و79 متفرجاً، فيما ارتفع الرقم إلى 65 ألفاً و458 متفرجاً في لقاء المغرب ونيجيريا. وبالمجمل، بلغ عدد المتفرجين في دور المجموعات 729 ألفاً و240 مشجعاً، مقابل 227 ألفاً و688 متفرجاً في الدور الـ16. أما في الدور الربع نهائي، فبلغ العدد 160 ألفاً و228 متفرجاً، وبلغ في الدور النصف نهائي 117 ألفاً و537 متفرجاً، ليصبح إجمالي الحضور الجماهيري مليوناً و234 ألفاً و693 متفرجاً، مع تبقي مباراتي تحديد المركزين الثالث والرابع بين مصر ونيجيريا اليوم السبت (18:00 بتوقيت بيروت)، والمباراة النهائية التي سوف تلعب غداً الأحد بين المغرب والسنغال (21:00 بتوقيت بيروت). تجدر الإشارة إلى أن عدد المتفرجين حتى الدور النصف نهائي في المسابقة الجارية فاق عدد المتفرجين طوال النسخة الماضية من كأس أمم إفريقيا التي أقيمت في ساحل العاج عام 2023 والتي شهدت قرابة مليون و100 ألف متفرج.
هكذا، بالأرقام وبالمواقف الحاسمة من مسؤولين ولاعبين وجماهير، رسخت كأس أمم إفريقيا مكانتها كساحة يمكن من خلالها فضح الممارسات الاستعمارية الأوروبية ومواجهتها.
خلال بطولة كأس أمم إفريقيا الجارية في المغرب، لاقت وقفة أيقونية لمشجع كونغولي رواجاً واسعاً. بينما كانت الكاميرات تجوب المدرجات، ظهر مشجع لجمهورية الكونغو الديمقراطية على الشاشة يشبه باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء للكونغو وأحد أبرز قادة الثورة في إفريقيا. رأى البعض في هذه اللحظة طرافة، بينما أثارت فضول آخرين. أما بالنسبة إلى إفريقيا، فهي تحمل معنى أعمق: عودة مفاجئة وغير متوقعة لذكرى ثورية أراد الغرب دفنها لكنها لم تمحَ.
المشجع هو ميشيل كوكا مبولادينغا، يبلغ من العمر 53 عاماً، ويُعرف شعبياً باسم "لومومبا فيا". أصبح مبولادينغا حديث الساعة على الإنترنت، حيث وقف صامتاً بلا حراك طوال مباريات جمهورية الكونغو الديمقراطية، مستحضراً صورة قائد لا تزال أفكاره تلقي بظلالها على مسيرة التحرير الإفريقية التي لم تكتمل. يُعد باتريس لومومبا رمزاً للمقاومة الشرسة للهيمنة الإمبريالية في الكونغو وإفريقيا. وُلد عام 1925 فيما كان يُعرف آنذاك بالكونغو البلجيكية، إحدى أكثر المستعمرات استغلالاً في إفريقيا. اتسم الحكم الاستعماري البلجيكي بالعنف الشديد، والعمل القسري، والإذلال العنصري، واستخراج ثروات طائلة على حساب ملايين الأرواح الكونغولية.
كان لومومبا من بين القادة السياسيين في خمسينيات القرن العشرين، وآمن بأن الاستقلال السياسي دون سيطرة اقتصادية لا معنى له. بالنسبة إليه، كانت الحرية تعني أن تعود ثروات الكونغو الطبيعية الهائلة بالنفع على الشعب الكونغولي، لا على الشركات الأجنبية. في يونيو/حزيران 1960، عندما نالت الكونغو استقلالها رسمياً عن بلجيكا، أصبح لومومبا أول رئيس وزراء للبلاد. وفي حفل الاستقلال، ألقى لومومبا خطاباً أمام ملك بلجيكا وكبار الشخصيات الدولية، أدان فيه علناً القمع الاستعماري والعنصرية والاستغلال. جعل هذا الخطاب من لومومبا بطلاً للمظلومين وعدواً للقوى الإمبريالية.
بعد أشهر من الاستقلال، انزلقت الكونغو إلى أزمة حادة. دعمت بلجيكا انفصال منطقة كاتانغا الغنية بالمعادن، وعملت أجهزة الاستخبارات الغربية على زعزعة استقرار حكومة لومومبا. في يناير/كانون الثاني 1961، أُلقي القبض على باتريس لومومبا، وعُذب، واغتيل. قُطعت جثته وأُذيبت، في محاولة لمحو ذكراه تماماً. هكذا، أصبح لومومبا شهيداً للتحرر الإفريقي، ورمزاً لرفض المساومة مع المستعمرين.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة