«تاريخ العيون المطفأة»: رواية نبيل سليمان تستكشف العمى المجازي بين السلطة والمجتمع


هذا الخبر بعنوان "“تاريخ العيون المطفأة”.. العمى بين السلطة والمجتمع" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تأخذنا رواية «تاريخ العيون المطفأة» للكاتب السوري نبيل سليمان، في رحلة عبر مدن رمزية متخيلة مثل بر شمس وكمبا وقمورين، لترسم لوحة معقدة لعالم عربي يعج بالاضطرابات. في هذا العالم، تتفشى السلطة البوليسية والملاحقات الأمنية، وتترافق مع النزوح والعنف والاضطهاد، مما يخلق بيئة قمعية تطغى على حياة الأفراد.
لا تقتصر الرواية على تناول فقدان البصر الحسي، بل تتجاوزه ليكون استعارة عميقة لغياب الوعي والقدرة على رؤية الحقيقة. فالعمى هنا يرمز إلى ما يحدث عندما يغيب الضمير، وتخبو البصيرة الداخلية أمام جبروت السلطة والخوف والظلم. من خلال شخصية مولود ماء العينين، يقدم سليمان تجربة الإنسان المحاصر بين ضرورة الطاعة وهاجس الخوف، وبين الرغبة الفطرية في الحياة وواقع القمع الذي يفرضه الآخرون.
تتميز الرواية بأسلوب سردي متعدد الأصوات، حيث يتناوب الراوي (الحكواتي) مع أسلوب التحليل الداخلي، وتتخللها حوارات فلسفية بين الشخصيات. هذا التنوع يتيح للقارئ التنقل بين مستويات عدة لفهم أزمة المجتمع والسلطة معًا، ويمنح الرواية عمقًا فريدًا، جاعلًا «العيون المطفأة» محورًا دائمًا لتجربة القراءة، حيث يصبح الغياب عن الحقيقة والوعي قضية مركزية.
في هذا العمل، يتحول العمى إلى رمز للضعف الاجتماعي والسياسي. فكل شخصية، سواء كانت مشاركة في القمع أو مكتفية بالصمت، تكشف عن الدور الذي يلعبه المجتمع في استدامة السلطة القمعية. ومع ذلك، لا تخلو الرواية من بصيص أمل يظهر في بعض المشاهد الفنية والموسيقية والرسم، كأنها محاولة لإعادة البصر والبصيرة، ولإعادة الإنسان إلى ذاته وسط عالم موحش.
«تاريخ العيون المطفأة» لا تقدم حلولًا جاهزة أو نهايات مريحة، بل هي قراءة متعمقة للسلطة والظلم. إنها دعوة للتفكير في مسؤولية الفرد والمجتمع تجاه ما يحدث حوله، وتطرح سؤالًا مفتوحًا: هل العمى مجرد فقدان للبصر، أم هو غياب القدرة على رؤية الحقيقة؟ وهل يمكن استعادة الوعي في مجتمع يظل خاضعًا للخوف والقمع؟ يؤكد نبيل سليمان من خلال هذه الرواية أن الأدب يمتلك القدرة على إعادة رسم الواقع وتقديم تحليلات دقيقة لمجتمع مضطرب، وأن الفعل الروائي يمكن أن يكون مرآة للوعي، حتى وإن كانت العيون مطفأة.
نبيل سليمان، روائي وناقد سوري، وُلد في صافيتا بمحافظة طرطوس عام 1945، ويُعد من أبرز الأصوات في الرواية السورية المعاصرة. درس اللغة العربية في جامعة دمشق، وعمل مدرسًا قبل أن يؤسس دار الحوار للنشر في اللاذقية عام 1982. على مدار عقود، ركز في أعماله على قضايا السلطة والتحولات الاجتماعية، مقدمًا روايات ونقدًا يسائل الواقع العربي والإنساني، ويعرض صراعات الفرد والمجتمع مع قوى القهر والخوف. من أبرز أعماله رواية «تاريخ العيون المطفأة»، التي صدرت عام 2019، وتناولت تجربة العمى المجازي في المجتمعات القمعية.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة