من "المرق" إلى "صرّة ورق": مثل دمشقي يروي قصة رمضان وعاداته المتغيرة عبر الأجيال


هذا الخبر بعنوان "“أوله مرق وأوسطه خرق وآخره صرّة ورق”.. مثل دمشقي يلخص عادات رمضان" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دمشق-سانا: يلخص المثل الشعبي الدمشقي العريق "أوله مرق وأوسطه خرق وآخره صرّة ورق" إيقاع شهر رمضان المبارك، كما عاشه أهل دمشق على مر الأجيال في بيوتهم وأسواقهم وحاراتهم. تختزل هذه الكلمات المتناغمة رحلة الشهر الفضيل بين الكرم الاجتماعي، والاستعدادات لعيد الفطر، والتدبير المعيشي، مقدمةً صورة مكثفة عن التحولات التي طرأت على المجتمع الدمشقي خلال زمن الصيام.
حول الدلالات العميقة والرمزية لهذا المثل، أوضح رئيس مجلس إدارة جمعية العادات الأصيلة، وشيخ الكار في الفنون النحاسية والتراثية، عدنان تنبكجي، لـ سانا الثقافية، أن هذا المثل يمثل وثيقة شفوية مكثفة توثق إيقاع الحياة الرمضانية بتقسيم ثلاثي واضح. يعكس هذا التقسيم أولويات المجتمع عبر الزمن، وينقل خبرة جماعية صيغت بلغة موجزة يسهل حفظها وتداولها، كما تحفظ تفاصيل الحياة اليومية من ضيافة وأسواق وادخار وتحضير للعيد.
وأضاف تنبكجي أن المثل يرسم مساراً متدرجاً لشهر رمضان؛ فالبداية تكون للكرم والاجتماع حول المائدة، ثم يتجه الاهتمام في منتصف الشهر إلى شراء الملابس والتحضير للعيد، وصولاً إلى مرحلة الادخار والتدبير المالي في الأيام الأخيرة. هذا التدرج يعكس توازناً دقيقاً بين البعدين الاجتماعي والاقتصادي في الحياة الدمشقية التقليدية.
وفيما يتعلق بحضور هذه العادات اليوم، بيّن تنبكجي أن بعض ملامحها ما زال قائماً، مثل استمرار العزائم واللقاءات في الأيام الأولى من شهر رمضان، وإن كانت بوتيرة أقل أو ضمن نطاق اجتماعي أضيق. وأشار إلى أن عادة شراء ملابس العيد لا تزال حاضرة أيضاً، رغم تغير أساليب التسوق وانتقالها من الأسواق الشعبية إلى المجمعات التجارية ومنصات التجارة الإلكترونية.
ولفت تنبكجي إلى أن ثقافة الادخار للعيد لا تزال موجودة، خاصة لتأمين احتياجات الأطفال ومتطلبات الضيافة. إلا أن الانتقال بين مراحل الشهر لم يعد واضحاً كما في الماضي، نتيجة تداخل الأنشطة وتغير أنماط الحياة وتسارع وتيرتها.
أوضح تنبكجي أن التحولات الاقتصادية أعادت تشكيل دلالات هذا المثل؛ فارتفاع تكاليف المعيشة أدى إلى تراجع الولائم، كما تغير مفهوم "الخرق" المرتبط بملابس العيد، إذ لم تعد مرتبطة بسوق أو موسم محدد، بل أصبحت متاحة على مدار العام، مما خفف من خصوصية منتصف الشهر بوصفه فترة رئيسية للتسوق.
أما عبارة "صرّة ورق" فلم تعد تعني بالضرورة حزمة نقدية محفوظة كما في الماضي، بل قد تتمثل اليوم ببطاقات مصرفية أو تحويلات إلكترونية. ليغدو المثل تعبيراً رمزياً عن تدرّج الضغوط المعيشية خلال الشهر في وعي الناس، بعد أن كان وصفاً دقيقاً لواقع اقتصادي واجتماعي أكثر استقراراً، وفقاً لـ تنبكجي.
أكد تنبكجي أن المثل يقوم على جناس صوتي واضح يسهل حفظه وتداوله؛ فـ "مرق" تشير إلى الطعام، ورمزياً إلى الكرم والدفء الاجتماعي، بينما "خرق" أي القماش ترمز إلى الكسوة الجديدة والاستعداد للفرح الجماعي، في حين تدل "صرّة ورق" على الحزمة المربوطة بالنقود بما تحمله من معنى الادخار والتنظيم المالي.
وبيّن أن هذا التدرج يعكس انتقال المجتمع من الاحتفاء إلى التحضير ثم إلى التدبير، أي من البعد الاجتماعي إلى البعد الاقتصادي، في صيغة لغوية مكثفة تختصر زمن الشهر وإيقاعه.
دعا تنبكجي الجهات المعنية إلى اعتماد منهجيات متعددة لتوثيق هذا التراث، من بينها إجراء مقابلات ميدانية مع كبار السن في أحياء دمشق القديمة والحديثة، وتسجيل الروايات الشفوية، إضافة إلى مقارنة الصيغ المختلفة للمثل وربطها بسياقها التاريخي والاجتماعي.
واختتم تنبكجي حديثه بالتأكيد على أن هذا المثل ليس مجرد عبارة متداولة، بل يعكس إيقاع الحياة الرمضانية في دمشق، حيث يختصر تحولات الشهر بين الضيافة والاستعدادات للعيد ومتطلبات المعيشة، ويجسد تداخل الجوانب الروحية، والاجتماعية، والاقتصادية في تفاصيل الحياة اليومية، ليبقى حاضراً بوصفه جزءاً من الذاكرة الشعبية للمدينة.
ويعد هذا المثل جزءاً من منظومة واسعة من الأمثال الشعبية التي اعتاد الدمشقيون تداولها في المناسبات الدينية والاجتماعية، وكان لشهر رمضان حضور بارز فيها، إذ عبّرت عن تفاصيل العادات الرمضانية في دمشق وسجلت إيقاع الشهر بين الضيافة والعبادات والاستعداد للعيد، لتغدو مع مرور الزمن جزءاً من الذاكرة الثقافية للمدينة.
ثقافة
سوريا محلي
ثقافة
سوريا محلي