تحسن الليرة السورية: مكاسب ميدانية أم مضاربات مؤقتة؟ خبراء يحذرون من "نشوة الانتصار"


هذا الخبر بعنوان "هل يستمر تحسن الليرة مع تقدم الجيش شرقي سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت قيمة الليرة السورية ارتفاعًا ملحوظًا أمام العملات الأجنبية منذ صباح الأحد 18 من كانون الثاني، تزامنًا مع استعادة الجيش السوري السيطرة على حقول نفط وغاز استراتيجية شرقي سوريا. ووصل سعر الصرف إلى 11000 ليرة سورية مقابل الدولار الأمريكي، وفقًا لموقع “الليرة اليوم”، بعد أسابيع من التذبذب بين 12000 و12800 ليرة عقب تبديل العملة السورية. في المقابل، حافظ مصرف سوريا المركزي على سعر صرف ثابت عند 11000 ليرة للدولار الواحد، بحسب نشرته الصادرة يوم الاثنين 19 من كانون الثاني.
وفي جولة لـ “عنب بلدي” في أسواق دمشق، لوحظ أن هذا الارتفاع لم ينعكس سوى على أسعار المنتجات الاستهلاكية، بينما بقيت أسعار بقية المنتجات مستقرة. برر التجار ذلك بأنهم اشتروا بضائعهم بسعر دولار معين، وأن التذبذبات السريعة في سعر الصرف تمنعهم من تغيير الأسعار باستمرار، خشية فقدان ثقة المستهلك. وتلجأ بعض المحال التجارية إلى عرض الأسعار بالدولار الأمريكي، ما يوفر مرونة وثباتًا، ويسمح للمستهلكين بشراء الدولار من شركات الصرافة والدفع بالسعر الثابت للمنتجات.
ربط الخبير الاقتصادي مجدي الجاموس، الارتفاع في قيمة الليرة السورية بالأحداث السياسية والعسكرية التي تشهدها سوريا، خاصة ما رافقها من حالة "نشوة عامة" نتيجة "الانتصارات" السياسية والعسكرية، وتحييد بعض الملفات الحساسة. وأوضح الجاموس أن هذا المناخ دفع شريحة من المواطنين للربط بين هذه التطورات وانعكاسها المحتمل على الواقع الاقتصادي وسعر صرف الليرة. لكنه حذر من أن هذا التحسن لا يعكس واقعًا اقتصاديًا فعليًا، بل يندرج في سياق مضاربات واضحة، حيث يستغل المضاربون مشاعر التفاؤل و"نشوة الانتصار" لإيهام الناس بأن التطورات ستنعكس سريعًا على الاقتصاد السوري.
وأكد الجاموس أن أي انعكاس اقتصادي حقيقي، حتى لو كان ممكنًا نظريًا، يتطلب وقتًا طويلًا ولا يمكن أن يتحقق بشكل فوري. محذرًا من أن ما يجري حاليًا هو عملية منظمة تهدف إلى تحسين مؤقت في قيمة الليرة السورية مقابل الدولار، لدفع المواطنين إلى التخلي عن مدخراتهم من العملات الأجنبية، قبل أن يعاود الدولار ارتفاعه مجددًا، خاصة في فترات تبديل العملات. ويرى أن هذه اللعبة تخدم المضاربين فقط، وتؤدي إلى خسائر للتجار الصغار والمواطنين العاديين.
وشدد مجدي الجاموس على أن ما يحصل هو بسبب عامل "نفسي" بالدرجة الأولى، ولا يحمل أي بعد فعلي على المدى القريب. مبينًا أن الاستفادة الاقتصادية من الموارد مثل حقول النفط أو المعابر الحدودية تتطلب وقتًا طويلًا وبنية تحتية قادرة على استيعاب هذه الاستثمارات. وأشار إلى أن الواقع الحالي للبنية التحتية متدهور للغاية، وأن أي إيرادات محتملة لا تكفي حتى لإعادة ترميمها، فضلًا عن تحقيق تعافٍ اقتصادي حقيقي.
ويرى الجاموس أن تحسن سعر الليرة السورية، إن كان فعليًا، فلن يتجاوز حدود التكيف مع معدل التضخم المرتفع، في ظل بقاء أسعار السلع على مستوياتها الحالية. واعتبر أن ما يحدث هو استغلال للنجاحات السياسية والعسكرية والتفاؤل الشعبي لدفع الناس نحو الليرة السورية، قبل أن تنقلب المعادلة ويعود الدولار للارتفاع، محققًا أرباحًا للمضاربين على حساب المواطنين.
لتحقيق استفادة حقيقية من هذه التطورات، أكد الخبير أن الأمر يتطلب أولًا تحقيق استقرار سياسي، يليه استقرار أمني وعسكري، بما يفتح الباب أمام تفاهمات واتفاقيات مع شركات أجنبية، بما فيها شركات أمريكية، لاستثمار الموارد المتاحة من نفط وغاز. ونوه إلى أن هذه الحقول بحاجة ماسة إلى إعادة تأهيل وترميم وهيكلة قبل أن تعود للعمل والإنتاج، وأن الوصول إلى مرحلة التصدير يحتاج إلى وقت إضافي.
ويرى أن توقيع عقود مباشرة مع شركات أجنبية لإعادة استثمار الموارد الطبيعية، إلى جانب السيطرة على بعض المعابر، قد يحقق انعكاسًا محدودًا ومقبولًا، أو يشكل بداية لتعافٍ اقتصادي تدريجي. إلا أن هذا التعافي، بحسب تقديره، يحتاج إلى وقت طويل في ظل غياب نموذج اقتصادي واضح وخطة اقتصادية محددة، وحتى غياب نموذج سياسي مستقر يمكن البناء عليه.
واختتم الجاموس حديثه بالتأكيد على أن أي تعافٍ اقتصادي حقيقي يتطلب أولًا بناء علاقات خارجية، والحصول على اعتراف دولي، ورفع العقوبات، إلى جانب المساعدات والمعونات الخارجية. وبعد ذلك فقط يمكن الحديث عن وضع نموذج اقتصادي وخطة واضحة وتنفيذها عمليًا، بما يسمح بتحسن فعلي ومستدام ينعكس على قيمة الليرة السورية. أما التحسن الحالي في سعر الصرف فهو بعيد عن الواقع الاقتصادي، ولا يمكن أن يتحقق إلا على المدى البعيد، مع الحاجة الملحة إلى دعم نقدي خارجي يعزز احتياطات البنك المركزي ويساهم في تقوية الليرة السورية.
استعاد الجيش السوري السيطرة على أهم حقول النفط والغاز شرقي سوريا خلال اليومين الماضيين، بعد سنوات من وقوعها تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). تمثل الحقول التي شملتها العملية أعمدة الاقتصاد السوري واستراتيجية الطاقة في البلاد، مما يعيد الدولة مجددًا إلى خريطة الإنتاج الوطني.
وأكد مراسل “عنب بلدي” في دير الزور استعادة الجيش السوري السيطرة على أبرز الحقول النفطية والغازية في شرق الفرات، الأحد 18 من كانون الثاني، بعد انسحاب عناصر “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من المنطقة. تشمل الحقول التي تم استعادة السيطرة عليها: حقل العمر (أكبر حقل نفطي في سوريا)، حقل كونيكو (أهم حقل للغاز الطبيعي)، حقل التنك، وحقل العزبة.
كما أعلنت الشركة السورية للبترول تسلم حقلي الرصافة وصفيان ومجمع الثورة النفطي الاستراتيجي في ريف الرقة الجنوبي الغربي، مشيرة إلى إطلاق غرفة عمليات طارئة لضمان استمرار الإنتاج وحماية البنية التحتية. وأوضحت الشركة أن مجمع الثورة النفطي يشكل مركزًا إداريًا ولوجستيًا يربط عدة حقول أبرزها: وادي عبيد، البشري، وصفيان، حيث يتم نقل النفط المستخرج إلى محطة العكيرشي لإجراء عمليات الفصل الأولية قبل التوزيع أو المعالجة التالية.
من جانبه، بيّن حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، أن عودة الموارد النفطية والغازية إلى الدولة تمثل محطة مفصلية لإعادة بناء السيادة المالية والنقدية. موضحًا أن المصرف سيستعيد دوره كـ "العميل المالي للحكومة" لإدارة الاعتمادات والتمويل عبر القنوات الرسمية. وأضاف أن هذه الخطوة ستسهم في تمويل احتياجات الاستيراد بشكل منظم، وتوحيد قنوات الدفع، واستعادة أدوات إدارة السياسة النقدية والقطع الأجنبي، وتعزيز الشفافية مع المصارف المراسلة والالتزام بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يسهم في إعادة بناء الثقة الخارجية بالقطاع المصرفي السوري. ونوه إلى أن استعادة الدولة لمواردها فرصة للاقتصاد السوري للتعافي المنظم والمستدام.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد