استبدال العملة في سوريا: خبير يحذر من غياب الأسس العلمية وتداعياتها على ثقة المواطن


هذا الخبر بعنوان "اقتصاد ما بعد الاستبدال.. متى يطمئن المواطن؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن قرار استبدال العملة وليد فراغ اقتصادي أو نقدي، بل جاء في مرحلة حرجة تتشابك فيها تداعيات السنوات الماضية وإرثها الثقيل مع اختلالات نقدية متراكمة وغياب للبيانات والمؤشرات الواضحة. في قراءة تحليلية نقدية، يحذر الخبير المالي والمصرفي عامر شهدا من تجاوز الأسس العلمية للسياسة النقدية، مشدداً على ضرورة ألا ينعكس الإجراء التقني لعملية الاستبدال بشكل مباشر على الثقة بالليرة واستقرار سعر الصرف.
ويؤكد شهدا لصحيفة "الثورة السورية" أن إدارة الاقتصاد في ظلّ النظام المخلوع كانت سيئة، وقد أفرزت تداعيات نقدية جسيمة لم تحظَ بالاهتمام الكافي من حيث الإصلاح الجذري للمنظومة النقدية في سوريا. ويرى أن تحديد مدة "ستة أشهر" لاستبدال العملة لا يمكن اعتبارها كافية لمعالجة الاختلالات العميقة التي أصابت النظام النقدي، خاصة في دولة تخرج من حرب طويلة وتواجه في الوقت نفسه تضخماً مرتفعاً وركوداً اقتصادياً.
ويشير شهدا إلى أن الحل في مثل هذه الظروف لا يكمن في إعلان الانتقال المفاجئ إلى اقتصاد سوق حر، بل كان من المفترض على السلطات النقدية، وقبل اتخاذ قرار الاستبدال، إجراء دراسة علمية معمقة للعلاقة بين استبدال العملة وسعر الصرف. كان يجب أن تأخذ هذه الدراسة بعين الاعتبار متغيرات السياسة النقدية وتحليلها باستخدام نماذج اقتصادية دقيقة، مثل نموذج الانحدار الذاتي غير المتزامن في المتوسط كأداة تقدير، لما يوفره من معادلات توضح أثر سياسة استهداف التضخم على تقلبات سعر الصرف، وكذلك أثر تقلبات سعر الصرف على انخفاض قيمة العملة المحلية. ويعتبر شهدا أن هذا التحليل كان ضرورياً لتصحيح الاختلالات الهيكلية في البنية النقدية السورية قبل الشروع بأي عملية استبدال.
يوضح شهدا أن مصرف سوريا المركزي دخل عملية الاستبدال هذه "من دون توفر مؤشرات نقدية واضحة" لديه، وهو ما جرى التصريح به رسمياً. وبناءً على ذلك، تم الإعلان عن واقع المصرف من حيث الاحتياطيات النقدية واحتياطي الذهب ووضع السيولة المحلية.
ويرى شهدا أن المسؤولية في هذا السياق تقع على عاتق مصرف سوريا المركزي، إذ كان من المفترض الوقوف على نسبة العملات الأجنبية من إجمالي التفضيلات النقدية لدى المجتمع مقارنة بالعملة المحلية. ويأتي ذلك خاصة وأن ظاهرة توطين العملة الأجنبية بدأت منذ عام 2013، وخلّفت تداعيات لم تُعالج بشكل جذري، الأمر الذي شجّع على استمرار الاعتماد المتزايد على العملات الأجنبية.
ويضيف أن المصرف المركزي كان مطالباً أيضاً بتحديد النسبة الفعلية لاستبدال العملة من إجمالي النقد المتداول. إلا أن السياسات التي اتُّبعت سابقاً، والتي هدفت إلى الحد من انخفاض قيمة الليرة وتقليص تقلبات سعر الصرف، أدت عملياً إلى استنزاف احتياطيات البلاد من القطع الأجنبي وارتفاع رصيد الديون العامة.
يرى شهدا أن الإعلان عن حجم الاحتياطي النقدي، الذي قُدّر بنحو 2.5 مليون دولار، إضافة إلى التصريحات الرسمية حول السعي لإنهاء ملف الديون العامة، ثم الإعلان لاحقاً عن أن رصيد الدين الداخلي أصبح صفراً، "تفتقر جميعها إلى المصداقية في ظلّ غياب مؤشرات وبيانات مالية شفافة تثبت ذلك".
ويلفت إلى أن الموازنة الحالية ليست موازنة عامة فعلية، بل هي أقرب إلى موازنة أثرية، مرجحاً أن يكون هناك التباس لدى وزارة المالية بين إغلاق الدين الداخلي وبين الوفر الناتج عن ضغط الإنفاق الحكومي، إن وُجد هذا الوفر أساساً. ويحذر من أن استمرار تمويل الإنفاق مع زيادة المعروض النقدي من دون رفع حقيقي للإيرادات، سيؤدي حتماً إلى ارتفاع معدلات التضخم.
يؤكد شهدا أن زيادة الطلب على العملة الأجنبية تعود إلى غياب سياسات تصحيحية حقيقية للوضع النقدي، إذ تم طرح استبدال العملة دون تحليل علمي للواقع النقدي، ومن دون الوقوف على حقيقة سعر الصرف، أو موارد القطع الأجنبي، أو حجم الودائع المصرفية، مما خلق حالة واسعة من التخوف وعدم الثقة.
ويعتبر أن قرار الاستبدال كان يجب أن يستند إلى أركان علمية اقتصادية واضحة، مشدداً على أن السياسات الصحيحة وحدها تقود إلى نتائج صحيحة. وحول أدوات مصرف سوريا المركزي في ضبط سوق القطع، يرى شهدا أن المواطن هو الحلقة الأساسية في تنفيذ السياسة النقدية، لكنه يحتفظ اليوم بالعملات الأجنبية كوسيلة لحماية ثروته، في ظلّ غياب سياسات حكومية تخلق أوعية إدخارية واستثمارية تحقق عوائد تفوق ما توفره المضاربة أو الاكتناز.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد