النفير الكردي في الجزيرة السورية: السلاح كنهج متراكم يبتلع السياسة ويختزل المجتمع


هذا الخبر بعنوان "من إعلان النفير إلى الجذور: تاريخ التسلّح الكردي كنهج متراكم" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل تصاعد التوترات الراهنة في الجزيرة السورية، ظهرت دعوات علنية، نُقلت إعلامياً عن قيادات بارزة ضمن البنية العسكرية المسيطرة على المنطقة، مثل فوزة اليوسف ومظلوم عبدي. دعت هذه القيادات الأكراد بشكل صريح إلى "حمل السلاح والانضمام إلى المقاومة". اللافت في هذه الدعوات أنها لم تُوجّه إلى كيان جامع أو مجتمع متعدد الأطياف، ولم تخاطب ما يُعرف بـ "قوات سوريا الديمقراطية" كإطار يضم الجميع، بل جاءت موجهة مباشرة إلى المجتمع الكردي، باعتباره المورد الأخير المتاح للتعبئة. هذا التحديد ليس مجرد تفصيل لغوي، بل هو مؤشر يكشف عن جوهر المرحلة الراهنة: فحينما يُستدعى السلاح، يُستدعى الأكراد وحدهم.
لا يمكن قراءة هذا الإعلان، الذي يُغلّف بخطاب تعبوي يستحضر مفردات الخطر الوجودي، على أنه مجرد استجابة طارئة. بل هو حلقة جديدة ضمن مسار طويل اعتاد اللجوء إلى الخيار العسكري كلما واجه انسداداً في الأفق السياسي أو تراجعاً في القدرة على فرض الحقائق على الأرض. فمع تآكل الغطاء السياسي، يُعاد تفعيل السلاح ليصبح الأداة الأخيرة للسيطرة.
منذ تفكك الدولة العثمانية وظهور الكيانات القومية في منطقة الشرق الأوسط، وجد الأكراد أنفسهم خارج معادلة الدولة المستقلة، موزعون بين أربع دول. هذا الواقع التاريخي القاسي أنتج شعوراً مستمراً بالغبن، وأفرز نزعات مسلحة مبكرة بدأت بثورات محلائية ذات طابع عشائري. ومع منتصف القرن العشرين، تطور الأمر إلى توظيف السلاح كأداة سياسية. لكن هذه التجارب، على الرغم من كثافتها، لم تتمكن من بناء مشروع مستقر، وبقيت خاضعة لمنطق الصدام الدائم أكثر من قدرتها على إيجاد تسويات طويلة الأمد.
في السياق السوري، ظل النشاط الكردي المسلح محدوداً لعقود طويلة، ليس لقناعة راسخة بالدولة، بل لغياب بنية اجتماعية مؤهلة للعسكرة المستدامة. جاء التحول الجوهري لاحقاً، ليس من رحم الداخل السوري، بل عبر انتقال نموذج جاهز من خارج الحدود. تمثل المنعطف الأخطر في صعود حزب العمال الكردستاني (PKK) وتأثيره الذي تجاوز الحدود الجغرافية، حيث لم يُقدم السلاح كوسيلة ظرفية، بل كجزء لا يتجزأ من هوية سياسية مكتملة. أدخل الحزب مفهوم التنظيم العسكري العقائدي المغلق، وربط السلاح بمشروع أيديولوجي شامل يتجاوز الخصوصيات المحلية، محولاً "المقاومة" إلى حالة دائمة لا تنتهي بانتهاء مسبباتها.
مع تسرب هذا النموذج إلى الساحة الكردية السورية، لم ينتج عنه تجربة تحرر محلية أصيلة، بل كان بمثابة استنساخ دقيق لمنظومة قرار وعقيدة وسلوك. بعد عام 2011، تسارعت وتيرة هذه العملية، حيث تشكلت وحدات مسلحة تطورت بسرعة لتصبح سلطة أمر واقع. هذه السلطة لم تعد تنظر إلى السلاح كوسيلة للحماية فحسب، بل كأداة للحكم والإدارة. أُنشئت مؤسسات موازية لا تستمد شرعيتها من تفويض وطني، وإنما من فائض القوة. وتكرس خطاب "الحماية الوجودية" كذريعة جاهزة لإدامة العسكرة وإقصاء أي نقاش سياسي جاد.
بمرور الوقت، تحول ملف "مكافحة الإرهاب" وسجون تنظيم "داعش" من مجرد عبء أمني إلى ورقة سياسية محورية، استُخدمت لترسيخ الأمر الواقع وفرض شروط تفاوضية. لم يعد هذا السلوك يُفسر على أنه ضرورة أمنية، بل كأداة للابتزاز، وهو ما يبرر التحذيرات الرسمية المتكررة من استغلال هذا الملف أو التلويح بالفوضى كورقة ضغط.
في هذا السياق، تأتي دعوات النفير الأخيرة لتُشكل ذروة انسداد سياسي شامل. لم يعد الخطاب يدور حول إدارة منطقة أو حماية سكانها، بل تحول إلى دعوة لتعبئة كردية عامة، في اعتراف ضمني بسقوط كل ما رُوّج له سابقاً من صيغ جامعة أو تسميات فضفاضة. لم يعد اسم "شمال وشرق سوريا" حاضراً إلا في الأدبيات القديمة، وعادت الجغرافيا إلى مسماها الواقعي والتاريخي: الجزيرة السورية، بوصفها ساحة نفوذ تُدار بعقلية فصيل، لا كفضاء متعدد كما كان يُعلن سابقاً. والأكثر دلالة أن توصيف هذه القوة اليوم لا يكتمل إلا بالعودة إلى الاسم الذي استخدمته هي نفسها في خطابها الداخلي وفي بداياتها: تشكيل عسكري ذو مرجعية أيديولوجية محددة، يستنسخ نموذج حزب العمال الكردستاني أكثر مما يعكس واقعاً سورياً متنوعاً. إن سقوط التسمية السياسية المصطنعة، وحصر النداء بالمجتمع الكردي، يكشفان جوهر المشروع كما هو: سلطة أمر واقع فقدت ادعاء التمثيل، وباتت تعتمد على التعبئة والسلاح وحدهما لإدامة وجودها.
إن تاريخ التسلح الكردي في سوريا لم يعد مجرد سردية اضطهاد ورد فعل، بل أصبح قصة تحول السلاح من أداة اضطرار إلى نهج دائم يبتلع السياسة ويختزل المجتمع في البندقية. ومع كل دعوة جديدة لحمل السلاح، لا تُحمى الحقوق بقدر ما تُرتهن، ولا يُصان الوجود بقدر ما يُدفع نحو مواجهة مفتوحة. لم يعد السؤال يدور حول مشروعية السلاح، بل عن الثمن الباهظ الذي يُطلب من المجتمع الكردي دفعه في كل مرة يُستخدم فيها السلاح بديلاً عن السياسة.
ريم الناصر - زمان الوصل
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة