الإعلام السوري: من قمع السلطة إلى فوضى المهنة المستباحة


هذا الخبر بعنوان "المهنة المُستباحة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تكمن أزمة الصحافة في سوريا، في أي يوم من الأيام، في وفرة الإصدارات أو كثرة المنابر، بل في جوهر المهنة ومعناها الحقيقي. فالكم لا يولد الحقيقة، والضجيج لا يصنع صوتًا مؤثرًا. قبل انهيار النظام السابق، كانت الأكشاك تعج بالعناوين المتنوعة، والشاشات تزدحم بالنشرات الإخبارية، إلا أن المشهد العام كان يغلب عليه الفراغ والسطحية. كانت الكلمات تتناقل بكثرة، لكنها تحمل في طياتها القليل من المعنى، فكانت الصحافة حاضرة في شكلها، غائبة عن روحها وجوهرها، أشبه بجسد بلا قلب.
مع تحرر القيود وسقوط المنظومة القديمة، راود السوريين أمل كبير في أن تستعيد الكلمة حريتها وكرامتها، وأن ينتقل الإعلام من مرحلة التلقين الموجه إلى عصر الإقناع المستنير، وأن تعود الصحافة إلى دورها الأصيل كسلطة معرفية مستقلة، لا مجرد تابع لسلطة الحكم. لقد اعتقدوا أن سوريا ستبني صرحًا إعلاميًا جديدًا يواكب تطلعات دولة تحررت من الاستبداد. غير أن الواقع جاء مغايرًا تمامًا، إذ لم يكن الانتقال من القمع إلى الحرية، بل تحول المشهد من الاحتكار إلى الفوضى العارمة.
بعد مرور عام على التحرير، تقف الدولة السورية اليوم بلا صوت إعلامي مقنع. قناة رسمية وحيدة تؤدي دورها بعقلية موظفين بيروقراطيين لا بروح مؤسسات إعلامية حقيقية. وصحيفة وطنية يتيمة محاصرة بتكدس غير طبيعي من الأقلام المتنوعة. هذا المشهد لا يعكس ضعف الإمكانات المادية، بل يشير بوضوح إلى غياب الرؤية الإعلامية الواضحة. فالإعلام لا يُقاس بعدد المكاتب أو حجم التجهيزات، بل بقدرته على بناء الثقة، وهذه العملة باتت نادرة الوجود اليوم.
الأخطر من ذلك هو تحول الصحافة إلى أرض مباحة للجميع. لم تعد مهنة تتطلب تخصصًا، بل أصبحت صفة إضافية ينسبها كل من يمتلك حسابًا على منصة رقمية أو ميكروفونًا لنفسه. فالطبيب يظهر كمحلل سياسي، والمهندس يتحول إلى خبير استراتيجي، والناشط يصبح كاتب رأي عام. الجميع يتحدث في كل شيء، بينما يُقصى الصحفي المتخصص في سوق يعج بالهواة. لقد سقطت الحدود الفاصلة بين المعرفة والرأي، وبين التحليل والانطباع الشخصي، وبين المهنة والهواية.
فعندما يظهر بائع فلافل على شاشة الإخبارية بصفته محللًا سياسيًا، فإن المشكلة هنا لا تتعلق بشخصه، بل بالمؤسسة الإعلامية التي منحته هذا الموقع. ليست إساءة للرجل بحد ذاته، بل إساءة للمهنة. فالتحليل السياسي ليس مجرد حكاية تُروى في مقهى، بل هو علم يُدرّس، ومنهج يُبنى، وخبرة تُراكم عبر سنوات. وحين تُدار المؤسسات الإعلامية بغير المختصين، يصبح الإعلام مرآة تعكس الفوضى السائدة، لا أداة لنشر الوعي.
أما الصحيفة الوطنية الوحيدة، فهي تجسيد مكبر لهذه الأزمة. مئات الكتّاب يتزاحمون على صفحات محدودة، مقدمين خليطًا غير منضبط من المقالات السياسية والاقتصادية والقانونية والطبية والثقافية. ليس هذا لأن الجميع يدّعي المعرفة، بل لأن الدولة لم تبنِ خريطة صحفية طبيعية ومتخصصة.
في الدول المستقرة، لا يكتب الطبيب في صحيفة سياسية عامة، بل يجد مكانه الطبيعي في مجلة طبية متخصصة. ولا يزاحم المحامي الصحفي، بل يجد منبرًا متخصصًا يعرض فيه خبراته القانونية. غياب هذا التنوع والتخصص حوّل الصحيفة الوحيدة إلى ساحة ازدحام مهني مربك وغير فعال.
الفوضى لا تتوقف عند حدود الصحافة اليومية، بل تتسع لتشمل مراكز الدراسات والأبحاث. فسوريا اليوم تفتقر إلى مركز وطني رصين للأبحاث الاستراتيجية، بينما تعاني معظم المراكز الخاصة من اختلال فادح في المعايير المهنية والأكاديمية. تُرفع شعارات الكفاءة والجدارة، بينما تُمارس في الواقع المحسوبيات والواسطات.
يُطلب من المتقدم لوظيفة معاون باحث شهادة ماجستير، بينما يكون الباحث الرئيسي لا يتجاوز تحصيله العلمي الثانوية، أو يحمل شهادة جامعية عامة دون أي تدريب أكاديمي حقيقي في البحث. مع أن أدوات التحليل والبحث لا تتأسس في المرحلة الجامعية الأولى، بل تُصاغ أكاديميًا بشكل عميق في الدراسات العليا، حيث تتشكل الملكة البحثية الحقيقية في الماجستير الأكاديمي والدكتوراه. في المؤسسات الجادة، لا يُمنح لقب باحث إلا لمن تمرّس على أدوات التحليل، وأن يكون خريج ماجستير أكاديمي على أقل تقدير، لأن البحث ليس مجرد تخمين كما يظن البعض، بل هو حرفة عقلية تضبطها قواعد أكاديمية صارمة لا يتقنها إلا أهلها.
هكذا تتكامل الحلقة المغلقة: إعلام بلا مختصين، صحافة بلا تنظيم، مراكز أبحاث بلا معايير. والنتيجة هي رأي عام مرتبك، ودولة عاجزة عن تقديم روايتها بثقة ومصداقية، ومجتمع يستهلك الضجيج والمعلومات السطحية بدل أن ينتج الوعي والمعرفة.
ما تحتاجه سوريا اليوم ليس مزيدًا من المنابر الإعلامية، بل نظامًا إعلاميًا متكاملًا ومحترفًا. يتطلب الأمر استراتيجية وطنية تبدأ من الجذور، وإعادة بناء وزارة الإعلام على أساس الاختصاص المهني والكفاءة لا الولاء الشخصي. يجب اختيار القيادات من أهل الخبرة والتخصص، لا من عابري المهنة. كما يتوجب وضع معايير واضحة لاختيار الضيوف والخبراء، تعتمد على السيرة العلمية والمهنية الموثقة، لا على حجم العلاقات الشخصية.
تحتاج سوريا أيضًا إلى خريطة صحفية حديثة ومتنوعة. صحف محلية تعبر عن تفاصيل حياة الناس في المحافظات المختلفة، وصحف وطنية قوية تصوغ النقاش العام وتوجهه، وصحف متخصصة في الطب والقانون والاقتصاد والثقافة. بهذا وحده يستعيد كل صاحب اختصاص مكانه الطبيعي، وتستعيد الصحافة توازنها المهني المفقود.
هناك حاجة ملحة أيضًا لفتح المجال للإعلام الخاص وفق ضوابط مهنية دقيقة، تضمن الحرية والمسؤولية معًا. فالإعلام لا ينهض بالاحتكار والسيطرة، بل بالتعددية والتنافس الشريف الذي يرفع مستوى المحتوى.
وأخيرًا، لا بد من إنشاء مركز وطني للدراسات والأبحاث بمعايير أكاديمية صارمة، ليكون العقل التحليلي للدولة، والمرجع المعرفي للإعلام. فالدول الحديثة تُدار بالمعرفة الموثقة والتحليل العميق، لا بالارتجال والتخمين. الصحافة ليست ترفًا ديمقراطيًا، بل هي بنية سيادية أساسية. وحين تُستباح المهنة، تُستباح الحقيقة معها. وسوريا التي دفعت ثمنًا باهظًا لحريتها، لا يليق بها إعلام مرتجل وغير احترافي، بل إعلام يوازي تضحياتها في الجدية والاحترافية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة