سوريا تستعيد حقول النفط والسدود: هل يقود ذلك للاكتفاء الذاتي من الطاقة؟


هذا الخبر بعنوان "عودة الثروات الوطنية إلى الدولة.. هل تحقق سوريا اكتفاء ذاتيا في الكهرباء والنفط؟" نشر أولاً على موقع worldnews-sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع عودة الإشراف على مساحات واسعة من حقول النفط والسدود الاستراتيجية إلى الحكومة السورية، تصدر ملف الطاقة النقاش العام، مثيراً تساؤلات حول إمكانية تحقيق الاكتفاء الذاتي من الكهرباء والمشتقات النفطية بعد سنوات من النقص الحاد والاعتماد الكبير على الاستيراد. تتضارب التقديرات بين الخطاب الرسمي الذي يشير إلى شراكات دولية مرتقبة، والواقع الفني المتآكل للبنية التحتية، حول القدرة الحقيقية لهذه الموارد على إنعاش الاقتصاد وتحسين واقع التغذية الكهربائية في المدى القريب.
في مؤتمر صحفي عُقد في حقل العمر النفطي، كشف يوسف قبلاوي، رئيس الشركة السورية للبترول، عن اهتمام متزايد من شركات أميركية بالعودة إلى السوق السورية. وأشار إلى توقعات باستئناف شركة “كونوكو فيليبس” نشاطها في قطاع الغاز، واستعداد شركات كبرى مثل “شيفرون” لدخول السوق السورية للمرة الأولى، إضافة إلى رغبة شركات أخرى بالاستثمار في حقول غاز محافظة الحسكة. تتزامن هذه التطورات مع نقاش واسع حول مدى قدرة الحقول النفطية والغازية، بالإضافة إلى المحطات الكهرومائية في سدود الفرات، على تلبية الطلب المحلي من الطاقة وتخفيف حدة التقنين الكهربائي المستمر منذ سنوات.
يرى الباحث الاقتصادي والخبير في شؤون الطاقة الدكتور زياد عربش، في حديث لموقع تلفزيون سوريا، أن استعادة الدولة السيطرة على حقول النفط والسدود يمثل تطوراً استراتيجياً يعزز السيادة الاقتصادية. ومع ذلك، أكد أن هذه الخطوة لا تعني توقفاً فورياً لاستيراد الطاقة أو تحقيق اكتفاء ذاتي سريع، مشيراً إلى أن آثارها ستكون تدريجية. وأوضح عربش أن إنتاج الغاز المحلي يغطي أقل من نصف احتياجات محطات توليد الكهرباء، مما يستلزم استمرار الاستيراد لأغراض التوليد والصناعة. وقدر أن استيراد نحو خمسة ملايين متر مكعب من الغاز سنوياً قد يكلف الخزينة قرابة 350 مليون دولار، نظراً لأسعار الغاز التفاوضية غير المرتبطة بسعر عالمي ثابت كالنفط.
وفقاً للأرقام المتاحة، يتراوح الإنتاج اليومي من الغاز الطبيعي في سوريا بين 8 و9 ملايين متر مكعب، وهو رقم لا يلبي الطلب المحلي. فمحطات الكهرباء وحدها تحتاج إلى نحو 16 مليون متر مكعب يومياً، بينما تتطلب الصناعات الثقيلة مثل الإسمنت والحديد والأسمدة ما يقارب 24 مليون متر مكعب إضافية. هذا يجعل الاستيراد أمراً لا مفر منه في المرحلة الحالية، إلى أن تتمكن الحقول المستعادة من رفع إنتاجها تدريجياً من نحو 100 ألف برميل يومياً إلى مستويات أعلى. وشدد عربش على أن الحديث عن العودة إلى مستويات الإنتاج ما قبل عام 2011 ما يزال سابقاً لأوانه، نظراً للحاجة إلى إعادة تأهيل شاملة للآبار، وإنشاء معامل معالجة جديدة، وترميم البنية التحتية المتضررة خلال سنوات الحرب. كما أكد أن استعادة الحقول لا تعني بالضرورة وقف استيراد المشتقات النفطية، إذ يتطلب الأمر صيانة واسعة للآبار المتضررة ومصافي التكرير المتهالكة، بالإضافة إلى إبرام عقود جديدة مع الشركات الدولية التي كانت تستثمر هذه الحقول قبل خروجها.
فيما يخص واقع الكهرباء، توقع عربش تحسناً نسبياً في ساعات التغذية بعد انتقال إدارة سدي الفرات وتشرين إلى الحكومة، لكنه ربط هذا التحسن بإصلاح الشبكات الكهربائية، وتكامل إنتاج الطاقة الكهرومائية مع الغاز المحلي، وتأمين كميات كافية من الفيول. وحذر من التحديات الكبيرة التي تواجه السدود الرئيسية، مشيراً إلى أن العنفات في سدي الفرات وتشرين لا تعمل حالياً بكامل طاقتها. فسد الفرات، الذي يضم ثماني عنفات بطاقة نظرية تصل إلى 800 ميغاواط، لا يتجاوز إنتاجه الفعلي حالياً 200 ميغاواط فقط، نتيجة انخفاض الوارد المائي، والتغيرات المناخية، وتدهور المعدات، وضعف كفاءة شبكات النقل، والحاجة الماسة لاستثمارات أجنبية.
من جانبه، اتفق الخبير الاقتصادي ورئيس مجلس النهضة السوري عامر ديب مع هذه التقديرات، مؤكداً أن استعادة حقول النفط والسدود لا تعني نهاية الاستيراد. وأوضح أن الدولة لم تسترجع سوى نحو 60% من الحقول النفطية، وأن معظم الحقول المستعادة تحتاج إلى صيانة شاملة بعد تعرضها للتخريب والنهب خلال فترات سيطرة تنظيم داعش ومراحل لاحقة. وأشار ديب إلى أن الحقول النفطية تحتاج إلى ما لا يقل عن عام كامل للدخول في مرحلة الإنتاج الفعلي، بينما يتطلب الوصول إلى طاقة إنتاجية تقارب 70% فترة زمنية إضافية، محذراً من أن عمليات الاستخراج العشوائي وغير النظامي خلال السنوات الماضية ألحقت أضراراً كبيرة بالمخزون الاحتياطي من النفط والغاز. وبناءً على ذلك، يرى ديب أن الحديث عن وقف استيراد الغاز أو زيادة كبيرة في ساعات الكهرباء ما يزال مبكراً، نظراً لضعف القدرة الإنتاجية للعنفات الكهرومائية وحاجتها إما لإعادة تأهيل شاملة أو لاستبدال جزئي بعنفات حديثة.
أكد ديب أن المرحلة المقبلة تفرض التوجه نحو تنويع مصادر الطاقة، بما يشمل الطاقة الشمسية والريحية إلى جانب الكهرومائية، معتبراً أن عودة السدود إلى سيطرة الدولة تفتح المجال أمام هذا التنويع. ورجح أن تسهم أي خطوات تركية محتملة لزيادة تدفق المياه في نهر الفرات في رفع منسوب المياه، وتعزيز إنتاج الكهرباء، وتحريك القطاع الزراعي، مما سينعكس إيجاباً على الاقتصاد المحلي. واختتم ديب بالتشديد على أهمية الشراكات مع القطاع الخاص المحلي والشركات الأجنبية، معتبراً أن الشركة السورية للبترول يمكن أن تلعب دوراً محورياً في إدارة هذه الشراكات، شريطة توفير بيئة استثمارية آمنة تقوم على الحوكمة الرشيدة، والاستقرار المالي، والشفافية، إلى جانب تأمين الحماية الأمنية للحقول من أي تهديدات محتملة. ويرى أن بناء تحالفات اقتصادية قوية، لا سيما مع الولايات المتحدة، قد يشكل رافعة أساسية لإعادة بناء قطاع الطاقة، مشيراً إلى أن منطقة الجزيرة مرشحة لأن تصبح مركز الثقل الاقتصادي الجديد في سوريا، إذا ما اقترنت هذه الفرص بتشريعات سليمة وإدارة فعالة.
ثقافة
سياسة
اقتصاد
سياسة