هامنت: تحفة كلوي تشاو المؤلمة عن شكسبير والحزن تتألق في سباق الأوسكار


هذا الخبر بعنوان "آلام شكسبير في “هامنت”… فيلم موجع يسابق على الأوسكار" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في تحليل نقدي بقلم شربل البكاسيني، يبرز فيلم "هامنت" (Hamnet) كمشروع فني استثنائي. فمن الناحية النظرية، يمتلك الفيلم كل مقومات النجاح: رواية أدبية حققت انتشاراً واسعاً، كاتب كلاسيكي ذو مكانة مرموقة، إطار زمني تاريخي، وجاذبية موسم الجوائز. لكن على الشاشة، تحوّله المخرجة الصينية كلوي تشاو إلى عمل نادر وجريء، يتعامل مع الحزن ليس فقط كمحرك سردي، بل كمنظومة طقوس كاملة تتغلغل في بيت وزواج وجسد.
الفيلم، المقتبس عن رواية ماغي أوفاريل الصادرة عام 2020، وبسيناريو مشترك بين تشاو وأوفاريل، يعيد تخيّل حياة عائلة شكسبير من خلال عيني زوجته أغنِس (آن) هاثاواي. يتصدّع عالم أغنِس بعد وفاة ابنها الطفل هامنت، وتصوّرها القصة كمعالجة بالأعشاب ذات نزعة صوفية، تملأ الفراغ التأريخي بعناصر درامية غير موثّقة تاريخياً.
على عكس العديد من الأعمال السينمائية التي تتناول شكسبير وتدور في فلك البلاطات والصراعات والعروض المسرحية، يلتزم "هامنت" بالمساحات الخاصة والحميمية: غرف النوم، المطابخ، الحقول، والصمت المطبق الذي يعقب غياب طفل. يُقدَّم الفيلم رسمياً على أنه "حكاية حب وفقدان" أسهمت في إلهام كتابة مسرحية "هاملت" الشهيرة. بمعنى آخر، لا يركز الفيلم على الكاتب بقدر انشغاله بالكارثة المنزلية التي ربما غذّت إبداعه.
ضمن قالب درامي عميق، يقيم "هامنت" علاقة بنيوية مع الصمت، وهي علاقة لا تستطيع سوى السينما، في غرفة معتمة، أن تحتملها وتجسدها بالكامل. لا تتعجّل الشاشة في شرح نفسها، بل تدعو المشاهد إلى الإصغاء لأدق التفاصيل، مثل وقع الأقدام على التراب، والأصوات الهشة لبيت يوشك على التصدع.
قصة حب شكسبير وزوجته. (Focus Features)
تصوّر كلوي تشاو عالم "هامنت" حيّاً وبسيطاً؛ فالريف يخرج من الخلفية ليصبح شريكاً أساسياً في السرد، وحقوله تتنفس، وأشجاره تشهد حلاوة الإعجاب وعذوبة الحب وجحيم الفقد، بينما يتبدل الضوء كالمزاج. تطيل كاميرتها الوقوف على الوجوه، ليس لاستخراج العاطفة قسراً، بل للسماح لها بالوصول بصدق وبشروطها الخاصة. هناك صبر لافت في تفتّح المشاهد، إذ أن الحزن لا يمكن استعجاله دون تزييفه.
في قلب القصة تقف أغنِس، التي تؤديها جيسي باكلي بدقة موجعة. أداؤها بعيد عن الاستعراض، وتمضي عبر الفيلم كشخص مصغٍ لقوى بالكاد يلتقطها الآخرون: الطقس، الحدس، والتغيرات الدقيقة في جسد طفل. تؤديها باكلي كرمز للأمومة وكوعي كامل السكنى: ذكي، حسي، وشرس بهدوء. وحين يأتي الفقد، لا ينفجر، بل يستقر، ويجرؤ الفيلم على البقاء مع هذا الاستقرار المؤلم.
آغنس هاثاواي الأم المنهكة بأحزانها. (Focus Features)
شكسبير، الذي يجسده بول ميسكال، لا يتقدم إلى الواجهة ولا يُقدَّم كأسطورة. يبدو وجوده منقوصاً، ممزقاً بين البيت والغياب، بين الريف ولندن، وبين الحب والمسافة. تقاوم تشاو إغراء تحويله إلى قدر فني محتوم. هو، بدلاً من ذلك، رجل لم يمتلك بعد اللغة اللازمة لمواجهة ما حدث. تكمن القوة العاطفية للفيلم تحديداً في هذا الاختلال: والدان في مهب الفاجعة؛ أحدهما يشعر بكل شيء، وآخر عليه أن يترجم الألم إلى شيء آخر كي ينجو.
يُوصَف نهج تشاو أحياناً بأنه "أنثوي جذرياً"، وقد يُعزّز ذلك التحوّل في مركز الجاذبية السردية في "هامنت"؛ إذ يعود الفيلم مراراً إلى ذكاء الأم، وعملها اليومي، ومعرفتها الحدسية بابنها. والنتيجة ليست موقفاً معادياً لشكسبير، إنما إعادة توزيع للاهتمام، تقول إن قصة الأصل الأجدر بالسرد ليست كيف يكتب العبقري، بل كيف تنجو عائلة مما لا يمكن إصلاحه.
اللافت، عند اختبار الفيلم في صالة العرض، هو كيفية استخدام "هامنت" للزمن. فالمشاهد تتمدد وتنكمش وفق ثقلها العاطفي لا كفاءة السرد. يتيح المونتاج للحظات أن تتردد، وأن تعود في هيئة متحوّلة، مولِّداً إحساساً بأن الذاكرة نفسها هي التي تُشكّل الفيلم. حين يكون الصبي حيّاً، حضوره خفيف، خاطف، شبه مراوغ. وحين يغيب، يصير في كل مكان. يتحوّل الغياب إلى مساحة ملموسة.
تصميم الصوت في الفيلم مقتصد ودقيق، وموسيقى ماكس ريختر – المستخدمة بتحفّظ – لا تملي على المشاهد ما يشعر به، بل تفتح حيّزاً لحدوث الشعور. يُعيد "هامنت" توظيف ملحمة ريختر الموسيقية "عن طبيعة ضوء النهار" (On the Nature of Daylight) بعد 22 عاماً على تأليفها، ويبعث فيها حياةً جديدة بعد استخدامها في أفلام ومسلسلات عدة، منها فيلم "جزيرة شاتر" (2010). لا تقود موسيقى ريختر العاطفة من يدها، ولا تضغط على المعنى ليبلغ ذروته، بل تتركه يتشكّل ببطء، كأنّه ينبت من داخل المشهد نفسه.
نغمات متقطّعة، شبه همس، تمرّ خفيفةً فوق الصورة ثم تنسحب، فتمنح الصمت وزنه، وتسمح للفراغ أن يتكلّم. وفي هذا الفراغ تحديداً، يولد التأثير الأعمق للفيلم. الأصوات الصغيرة، احتكاك القماش، وقع الخطوات، تنفّس الشخصيات، كلّها تتحوّل إلى مفردات سردية قائمة بذاتها، ويستحيل السمع شريكاً للعين في فهم الفقد. كلّ شيء يعمل بمنطق الإصغاء، لا بمنطق الإملاء. وهكذا، لا يتشكّل الحزن كذروة درامية، إنّما يُستدعى كحالة مستمرّة، تتسلّل بهدوء إلى الجسد. تشعر به قبل أن تفهمه، وتبقى آثاره معلّقة بعد انطفاء الصورة. "هامنت" يثق بأنّ المتفرّج قادر على أن يشعر وحده، بلا إرشاد. لا ينتهي الفيلم نهاية نظيفة، بل يبقى معك، في الجسد، وفي الفراغات بين الأفكار، كشيءٍ غير مكتمل، ولذلك، فهو صادق.
بحلول منتصف كانون الثاني/يناير 2026، كان الفيلم قد عزّز موقعه في موسم الجوائز. سمّاه المعهد الأميركي للأفلام ضمن أفلام العام، وهي إشارة استشرافية غالباً ما تنسجم مع مزاج الأكاديمية. حصدت جيسي باكلي جائزة "غولدن غلوب" لأفضل ممثلة في فيلم دراما، أمّا تشاو فنالت ترشيح أفضل مخرج، ضمن حصيلة ثمانية ترشيحات شملت أفضل فيلم. (أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار)
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة