الدكتور طارق الشلاح: بورجوازية دمشق العتيقة بين إرث الخير ورهانات المستقبل السوري


هذا الخبر بعنوان ""اقتصاد" في حديث مطوّل مع أحد رموز آل الشلاح" نشر أولاً على موقع eqtsad وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما أكدت "اقتصاد" على مدار سنوات الثورة على الدور المحوري للبورجوازية السورية في إعادة بناء الاقتصاد الوطني بعد سقوط نظام الأسد. هذه الرؤية تتجاوز الجوانب الاقتصادية البحتة، لتستلهم الدور التاريخي لهذه الطبقة، خاصةً في خمسينات القرن الماضي، حيث كانت سوريا تتبوأ مكانة متقدمة بين الدول الصاعدة. وفي هذا السياق، التقينا الدكتور طارق شفيق الشلاح، رجل الأعمال المنتمي للبورجوازية الدمشقية العريقة، وسليل عائلة الشلاح المعروفة في التجارة والأعمال الحرة، وابن شقيق شهبندر التجار الأسبق بدر الدين الشلاح. تناول الحوار معه همومه وتطلعاته، والتحديات الجسيمة التي واجهها خلال الفترة التي تلت عام 2011.
كان لافتاً رغبة الدكتور طارق في استهلال حديثه معنا بالتركيز على الدور التاريخي للجمعية الخيرية التي أسسها جده، الحاج المرحوم سليم الشلاح، منذ العام 1907، والتي تحظى بمعرفة واسعة بين أهالي دمشق. هذه الجمعية، المعروفة باسم "جمعية الإسعاف"، تضم داراً للأيتام ومدرسة خاصة بها، وتنشط في مساعدة المعوزين والشباب المقبلين على الزواج، بالإضافة إلى تقديم العون المالي لمن يواجهون حالات طبية عصيبة.
يترأس الدكتور طارق الشلاح مجلس إدارة الجمعية منذ العام 1992 وحتى الآن. وقد روى لنا عن أصعب الظروف التي مرت بها الجمعية بعد عام 2011، حيث خشي من تراجع تبرعات التجار والصناعيين وأهل الخير في دمشق، مما قد يضر بالأيتام الذين ترعاهم الجمعية. لكنه أكد أن أهل الخير في هذا البلد كُثر، ورغم تراجع أعمال تجار دمشق وصناعييها وقدراتهم المالية، استمر تمويل الجمعية سارياً، مما مكنها من التكفل بدار الأيتام والمدرسة الخاصة بها. وتمول الجمعية رواتب المدرسين والكادر الإداري في المدرسة التي تشمل المرحلة الابتدائية وللذكور فقط، وفق أنظمة وزارة التربية وبالتنسيق معها.
من أبرز التحديات التي واجهت الجمعية ورئيس مجلس إدارتها في سنوات حكم الأسد الأخيرة كانت الضغوط من وزارة الشؤون الاجتماعية لإيواء أطفال أيتام لا كفيل أو قريب لهم. أوضح الدكتور الشلاح أنهم يأوون الأيتام الذين لديهم أقارب غير قادرين على إيوائهم، ويمنحون هؤلاء الأطفال فرصة لقضاء عطلة نهاية الأسبوع (الجمعة والسبت) لدى أقاربهم، حيث تغلق الدار والمدرسة خلال العطلة، لكي لا يشعر الأطفال وكأنهم مسجونون أو بلا "نسب". وقد طُلب منه إيواء أطفال (لا كفيل أو قريب لهم) حتى خلال عطلة نهاية الأسبوع، فتذرع الشلاح بأن نظام عملهم قائم على مبدأ العطلة الأسبوعية. عرضت عليه الوزارة تمويل عمل الكادر خلال العطلة، لكنه أصر على الرفض، ليتضح له لاحقاً، بعد سقوط النظام، أنه كان على صواب، حيث تأكد أن هؤلاء الأطفال كانوا لآباء معتقلين.
تخصص الدكتور طارق الشلاح في قطاع السياحة منذ عقود، وأسس شركة "الهائل للسياحة والسفر". قاد جمعية مكاتب السياحة والسفر في سوريا من عام 1983 وحتى عام 2009، وأصبح عضواً في جمعية اتحاد السياحة والسفر العالمية ممثلاً عن الدول العربية لمدة 6 سنوات خلال العقد الأول من القرن الحالي. تمكن من إقناع هذه الجمعية الدولية بإقامة مؤتمرها السنوي في دمشق عام 2003، بهدف الترويج للسياحة في سوريا، وكان لذلك أثر كبير في انفتاح سوريا على السوق السياحية الدولية.
روى الشلاح كيف واجه تعقيدات البيروقراطية السورية آنذاك بخصوص التعامل بالقطع الأجنبي، حيث طلبت وزارة السياحة الالتزام بإجراءات معقدة، وكاد الأمر يعرقل استضافة المؤتمر. لجأ الشلاح حينها إلى رجل الأعمال الراحل الدكتور عثمان العائدي، مؤسس فنادق الشام، الذي ساعده في تجاوز هذا التحدي.
أفاد الدكتور طارق الشلاح بأن سنوات ما بعد العام 2000 شهدت انتعاشة متصاعدة لقطاع السياحة في سوريا، حيث كانت المنشآت الفندقية تمتلئ بالكامل، واستمر ذلك حتى العام 2011. بطبيعة الحال، تدهور العمل في هذا القطاع بشكل كبير بعد هذا العام المفصلي. وأشار الشلاح إلى أن قضية القطع الأجنبي كانت هاجساً مرعباً للعاملين في السياحة بعد عام 2011، حتى مع صدور قرار يتيح لشركات ومكاتب السياحة التعامل به. ورغم ذلك، تكررت حالات اعتقال عاملين في السياحة بتهمة التعامل بالقطع الأجنبي، حتى بمبالغ صغيرة جداً، مما شكل مصدراً لتمويل الأجهزة الأمنية التي احترفت حينها استهداف العاملين في هذا المجال.
اليوم، يراهن الشلاح بقوة على انتعاشة نوعية لقطاع السياحة، وقد لمس حماساً من مكاتب سياحة في دول غربية لتنظيم رحلات إلى سوريا. لكن الوضع الأمني غير المستقر لا يزال يشكل حاجزاً أمام الانطلاقة المأمولة لهذا القطاع. أخبرنا الشلاح أن وفداً سياحياً أمريكياً أراد زيارة سوريا عبر شركته، لكنه طلب تأجيل ذلك، لأن المعالم التي يرغبون بزيارتها لا تقتصر على دمشق وريفها، بل تشمل تدمر ومناطق أخرى لا يزال الوضع الأمني فيها غير مستقر بما يكفي. خشي الشلاح من تعرض الوفد لأي طارئ أمني قد يضر بسمعة سوريا، فقرر التماس المزيد من الصبر والرهان على الوقت والجهود الحكومية لضبط المشهد الأمني في مختلف المحافظات، وصولاً إلى لحظة يمكن فيها التجول بسياح عرب وأجانب في كل المدن السورية دون مخاوف. وأكد الشلاح رهاناته على قطاع السياحة الذي كان قبل عقد ونصف يشكل المصدر الثالث للدخل القومي في سوريا، ويدر عليها مليارات الدولارات سنوياً، معتبراً أنه لا يقل أهمية عن النفط والغاز.
في سنوات ما قبل عام 2011، لم يبتعد طارق الشلاح كثيراً عن عمل الأسرة التقليدي العتيق في تصنيع قمر الدين والفواكه المجففة وتصديرها، وهو العمل الذي اشتهرت به عائلة الشلاح في النصف الأول من القرن العشرين. كانت لديهم أراضيهم الخاصة في الغوطة الشرقية، التي تحتوي على أشجار مشمش مثمرة، يعود عمر بعضها إلى 30 و40 سنة. وحتى بعد صدور قوانين "الإصلاح الزراعي" في عهد جمال عبد الناصر (الوحدة مع مصر) وحكم البعث بعده، حيث خسر آل الشلاح نحو ثلث أراضيهم، بقيت لديهم القدرة على العمل والإنتاج بصورة نوعية، خاصة بعد أن لجأ المزارعون الذين حصلوا على قطع أرض صغيرة بموجب "الإصلاح الزراعي" للعمل لدى آل الشلاح، عبر ضمان أراضيهم لديهم، نظراً لعدم قدرتهم على توفير التمويل لشراء الآليات ومواد الزراعة المطلوبة.
في هذا الصدد، انتقد الشلاح قوانين التأميم والإصلاح الزراعي التي عرفتها سوريا في حقبة الستينات، معتقداً أنها أضرت بشدة بقطاع الزراعة، عبر تفتيت الملكيات الزراعية وتحويلها إلى ملكيات صغيرة بتكلفة إنتاجية مرتفعة على المزارع السوري، مما أدى إلى تراجع قيمة الزراعة كمصدر دخل لقطاع كبير من العاملين فيها، وانتقالهم للعمل في قطاعات أخرى.
لكن الشلاح أطلعنا على واقع أليم أصاب عمل العائلة التقليدي في الزراعة والصناعة المرتبطة بها في السنوات التالية لعام 2011، إذ قُطعت أشجار أراضيهم وتحولت إلى أراضٍ شبه جرداء، ونُهبت محتويات ورشات التصنيع الخاصة بهم هناك. هذا الواقع ينسحب على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في سوريا التي تضررت بشدة خلال سنوات الحرب وظروف الحصار والاشتباك والتدمير الممنهج، وحمّل الشلاح مسؤوليته كاملة لنظام الأسد البائد وحربه البشعة التي شنها على السوريين.
اليوم، يرى الشلاح أن إعادة تأهيل أراضيهم وإحياء عمل العائلة التقليدي في صناعة الفواكه المجففة، المشهورة كماركة دولية، بات أمراً عصيباً، إذ يتطلب استصلاح هذه الأراضي حتى تصبح أشجارها مثمرة من جديد ما بين 5 إلى 6 سنوات. ولا يخفي الشلاح أن الجدوى الاقتصادية لهذا العمل منخفضة وتكاليفه مرتفعة، مما يسلط الضوء على التحدي الكبير الذي يواجه مساعي إعادة إحياء ما تضرر من زراعة سوريا. وعلى نطاق وطني، يعتقد الشلاح أن إحياء الزراعة في سوريا مجدداً، واستعادة دورها كمصدر رئيس للدخل القومي ولتشغيل الأيدي العاملة ولتوفير الأمن الغذائي للسوريين، لا يمكن أن يتم دون دعم من الدولة، عبر تخفيض أسعار الوقود والسماد، إلى جانب الحاجة لتوافر المياه. ورغم المشهد العصيب الذي يحيط بهذا القطاع، لدى الشلاح رهان إيجابي يستند إلى عودة أهم حقول النفط والغاز لسيادة الدولة السورية في الجزيرة، إذ يعتقد الدكتور طارق أن ذلك قد يتيح مستقبلاً تخفيض أسعار الوقود، أو توفير سيولة مالية لدى الدولة لإعادة تقديم جانب من الدعم للمزارع السوري، تسمح بتثبيته مجدداً في هذا العمل.
على الصعيد الشخصي، يروي الدكتور طارق الشلاح عن سنوات دراسته في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث نال الدكتوراه في الاقتصاد بإحدى جامعاتها خلال سبعينات القرن الماضي. وفي تلك الحقبة، أتاحت له الظروف فرصة العمل مع الفريق الانتخابي للرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، الذي زار سوريا لاحقاً بعد انتهاء ولايته مطلع الثمانينات من القرن الماضي. وخص حينها مزرعة آل الشلاح الشهيرة بزيارة خاصة، والتقى الدكتور طارق الشلاح شخصياً. ويخبرنا الدكتور كيف استُدعي أمنياً يومها للتحقيق معه حول طبيعة علاقته مع جيمي كارتر.
إحدى رهانات الشلاح اليوم هي في قطاع النفط والغاز، إذ أخبرنا أنه بالتنسيق مع ابن عمه غسان بدر الدين الشلاح، يعتزمون خوض غمار قطاع الخدمات النفطية في سوريا، عبر تمثيل شركات غربية وازنة. وهم في طور التأسيس لشركة في هذا المجال.
في الختام، أسرّ لنا الدكتور طارق الشلاح أنه يقاوم ضغوط أولاده المقيمين في الولايات المتحدة لمغادرة البلاد، بل ويعمل على جذب رجال أعمال سوريين في الخارج، من آل الشلاح تحديداً، للعودة إلى سوريا. فهو، حسب وصفه لنا، لا يعتزم مغادرة سوريا حتى الممات، ورهاناته فيها وعلى مستقبلها كبيرة جداً.

سوريا محلي
اقتصاد
سياسة