قسد في مرآة اليسار: صراع الأيديولوجيا وضرورات الواقع السوري


هذا الخبر بعنوان "بين الخطاب والواقع.. عن اليسار و”قسد”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم أحمد عسيلي
في الآونة الأخيرة، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) حالة النفير العام، موجهةً دعوة إلى الكرد في شتى أنحاء العالم للتوجه نحو سوريا، بهدف الدفاع عما وصفته بـ"آخر معاقلها". لاقت هذه الدعوة صدى إيجابيًا واسعًا، خصوصًا ضمن أوساط اليسار الراديكالي، وعدد من ناشطي المقاطعة الإسرائيلية، وبعض المتضامنين مع القضية الفلسطينية. لم تُنظر إلى قسد في هذا السياق كقوة عسكرية بحتة، بل كحامل رمزي لمشروع تقدمي يساري يتجاوز الهويات الضيقة، وهي الصورة التي رسختها منذ تأسيسها.
يُعزى هذا الترحيب إلى الصورة التي بنتها قسد لنفسها: خطاب "وحدة الشعوب"، لغة تحررية، حضور نسوي بارز، ومسافة واضحة عن التيار الإسلامي بفرعيه السياسي والجهادي. كما يرتبط هذا التصور بالمرجعية الفكرية المنسوبة إليها، وهي أفكار عبد الله أوجلان، التي تمزج الإرث الماركسي بعناصر قومية وتنظيمية ومجتمعية، مقدمةً توليفة يُنظر إليها كبديل لنماذج الدولة القومية التقليدية. في هذا الإطار، يبدو التعاطف مع قسد امتدادًا لتعاطف أيديولوجي متجذر، أكثر من كونه تقييمًا واقعيًا لممارساتها وتحالفاتها الراهنة.
إلا أن هذا الخطاب النظري يصطدم، عند مواجهة الواقع، بتناقضات جلية يصعب تجاهلها. فـقسد، في ممارساتها، تُعد قوة حليفة للولايات المتحدة، التي تمثل المعقل الأساسي للنظام الرأسمالي العالمي. هذا التناقض غالبًا ما يُبرر بأنه تحالف مرحلي تفرضه الضرورة والمصلحة، وليس تحالفًا استراتيجيًا يعكس تطابقًا أيديولوجيًا.
لكن المفارقة لا تتوقف عند هذا الحد، فقد أقامت قسد بالتوازي علاقات مع بنى محلية دينية وعشائرية، كما يتضح في علاقتها مع حكمت الهجري في السويداء. يمثل الهجري سلطة دينية أبوية واضحة، تقوم على الزعامة الرمزية والولاء الجماعي، وهو ما يتناقض تاريخيًا مع القيم اليسارية الكلاسيكية.
لا يقتصر هذا النمط من التحالفات على السويداء، بل يندرج ضمن سياسة أوسع من التحالفات المرحلية مع العشائر العربية في منطقة الجزيرة السورية. هنا يطرح سؤال جوهري: إذا كانت جميع هذه التحالفات تُقدم على أنها مؤقتة، فما الذي يتبقى من ادعاء وجود مشروع سياسي متماسك يتجاوز مجرد إدارة اللحظة الراهنة؟
في هذا السياق، يلفت إعلان النفير العام الانتباه إلى تشابهه مع سياسات "الفزعات" التقليدية التي اعتمدتها السلطات القديمة في المنطقة، والتي كانت أحد أسباب معارضة السلطة في دمشق. الفارق يكمن في أن "الفزعة" عندما تُعاد صياغتها بلغة يسارية حديثة، تصبح مقبولة ومرحبًا بها فجأة، وكأن تغيير الاسم يكفي لتغيير الجوهر.
نصل هنا إلى جوهر القضية: يمكن اختصار قسد بأنها خطاب أيديولوجي يساري تقدمي على المستوى النظري، يقابله في الواقع جهاز قوة، وتحالفات غربية، وأدوات خشنة (تجاوزت حدودها أحيانًا) تحكمها موازين المصالح. هذا التوصيف لا يُقدم بقصد النقد أو التقييم، ولا للحكم على تجربة قسد إيجابًا أو سلبًا، بل كمدخل لتحليل نفسي لعلاقة بعض القوى اليسارية بها.
فالسؤال ليس: هل قسد محقة أم مخطئة؟ بل: لماذا يُصرّ بعض اليسار على قراءتها كتمثيل يساري صافٍ، على الرغم من هذا الانفصام الواضح بين الخطاب والممارسة؟
يمكن فهم هذه العلاقة كشكل من أشكال التماهي الإسقاطي. لقد تحولت قسد إلى وعاء تُسقط فيه رغبة عميقة في وجود مادي لمشروع يساري لم يعد له حضور فعلي على الأرض. أفكار أصبحت مجردة، بلا حوامل اجتماعية أو سياسية حقيقية، فجرى البحث لها عن جسد يحتضنها، حتى لو لم يكن مطابقًا لها تمامًا. إنه إلباس قسري لغير ثوبها، ليس بدافع الخداع الواعي، بل بدافع إنقاذ فكرة من التلاشي.
من هنا تبرز فكرة اليسار كهوية جريحة. فـاليسار العربي، والسوري تحديدًا، فقد منذ زمن طويل أي حضور مادي فعلي: لا تمثيل سياسي، ولا قاعدة اجتماعية، ولا قدرة على التأثير. في هذا الفراغ، يتحول الدفاع عن قسد إلى دفاع عن الذات، حيث يُنظر إلى أي نقد لها كتهديد مباشر للهوية اليسارية نفسها، وليس كتقييم لتجربة سياسية محددة. وهكذا، يُستبدل التبرير بالتفكير النقدي، والفعل الإيماني بالسياسة.
من الضروري التمييز هنا بين هذا السياق وبين اليسار العالمي عمومًا. فـاليسار في بلدان أخرى ما زال يمتلك حضورًا فعليًا، كما هو الحال في فرنسا حيث يتمتع حزب "فرنسا الأبية" بثقل برلماني واضح، أو في البرازيل حيث عاد إلى السلطة عبر المسار الديمقراطي. ما نتحدث عنه هنا هو يسار عربي غائب، يبحث عن أي تجسيد يخفف وطأة اختفائه.
من باب الإنصاف، يمكن القول إن مصلحة قسد ذاتها تقتضي الخروج من هذا الالتباس. فالأدق أن ترتدي لباسها الخاص: الكردي، والقومي، والعشائري، كما هو قائم فعليًا على الأرض. هذا توصيف واقعي، وربما حق سياسي، وليس اتهامًا. فـقسد تمثل نفسها، وتمثل جزءًا من الكرد، ولا يمكن مطالبتها بتمثيل مشروع لم تُبنَ عليه.
وقد ظهر ذلك بوضوح عندما لجأت، في لحظات الضعف، إلى طلب الدعم من عائلة بارزاني، بما تمثله من ثقل سياسي ومالي وعشائري في كردستان العراق. هذا السلوك ينسجم مع منطق القوة القومية (وهذا ليس جريمة أو اتهامًا بل واقع) لا مع مشروع يساري أممي.
في الخلاصة، لا يبدو المخرج أمام اليسار سوى الوعي الحقيقي بالواقع والاعتراف به كما هو. فـقسد ليست يسارًا فعليًا، ولا تمثل اليسار فكرًا أو تطبيقًا، حتى لو أُريد لها أن تُقدم كذلك. وإذا كان لـاليسار السوري أن يستمر، فلن يكون ذلك عبر التماهي مع تجارب الآخرين، بل عبر رؤية الفراغ القائم، ومحاولة تشكيل نواة لقوة يسارية حقيقية، صغيرة وصادقة، تكون بداية عمل فعلي، لا بحثًا دائمًا عن جسد يسكنه الحلم.
سياسة
سياسة
اقتصاد
سوريا محلي