غياب الأب في سوريا: كيف يترجم الأطفال الضغوط النفسية إلى سلوكيات عدوانية وما الحلول؟


هذا الخبر بعنوان "كيف يؤثر غياب الأب على سلوك الأطفال؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مشهد يتكرر يوميًا، يطرح الطفل “نور” (خمس سنوات) سؤاله المعتاد قبل النوم: “ماما، بابا ليش مو هون؟”. تجد الأم نفسها بين سرد قصص عن “السفر الطويل” أو الصمت الممزوج بالقلق. فخلف جدران هذا البيت، لم تعد الحكايات كافية لإقناع طفل بدأ يدرك الفارق بين واقعه وواقع أقرانه. إن غياب الأب هنا ليس مجرد نقص في عدد أفراد الأسرة، بل هو تحول جذري في “نظام الحماية” والأمان اليومي الذي ينمو “نور” في ظله.
بعد سنوات الحرب الطويلة، لا يكاد يخلو حي في سوريا من أطفال مثل “نور”، الذين نشأوا في ظل غياب الأب، سواء بسبب الفقد أو السفر أو التغييب. هذا الواقع فرض ضغوطًا سلوكية ونفسية متزايدة على الأطفال، ووضع الأسرة أمام تحدٍّ مضاعف يتمحور حول كيفية تعويض هذا الفراغ دون إغراق الطفل في “يتم” المشاعر أو دفعه لنضج قسري يسرق طفولته.
ترى الاختصاصية النفسية رنا رضوان، في حديثها إلى عنب بلدي، أن الطفل الذي يغيب والده يمر بظروف نفسية معقدة تتجاوز مجرد الحزن. وتوضح أن “العصبية والعدوانية” التي تظهر على الطفل، مثل الصراخ المتكرر والضرب أو حتى العض، ليست مجرد سوء تصرف، بل هي “ترجمة جسدية” للتوتر والضغط النفسي الذي يعيشه.
تعزو رضوان هذه السلوكيات إلى أسباب عميقة، أهمها غياب التواصل العاطفي الكافي وعدم الاستقرار في البيئة الأسرية المحيطة. وتلفت الانتباه إلى “الجرح التربوي” الأكثر شيوعًا في البيوت السورية اليوم، وهو “تذبذب المعاملة”، حيث يتلقى الطفل رسائل متناقضة من أفراد العائلة الممتدة (الجد، العم، أو الخال)، مما يشتت بوصلته السلوكية ويزيد من حدة عدوانيته.
تؤكد الاختصاصية النفسية أن هناك “خطوطًا حمراء” تستوجب التدخل المهني، وهي عندما يستمر السلوك العنيف لفترة طويلة دون تحسن، أو عندما يبدأ هذا السلوك بالتأثير على أداء الطفل الدراسي وعلاقاته الاجتماعية. وتحذر من تجاهل هذه العلامات إذا لم تنجح طرق التوجيه التقليدية في احتواء نوبات الغضب.
لا يمكن فصل قلق الطفل عن صراع والدته اليومي مع الواقع الاقتصادي في سوريا. وهنا تشخص الاختصاصية التربوية بشرى مروة التقاطع بين العجز المادي والقلق التربوي، فالأم التي يُطلب منها الحوار الهادئ هي نفسها التي تُستنزف في تأمين لقمة العيش وسط ظروف مادية صعبة. وتضيف الاختصاصية النفسية رنا رضوان أن هذا الضغط المادي ليس مجرد فقر، بل هو “استنزاف عصبي” يجعل الأم قليلة الصبر، ويحول أي هفوة من الطفل إلى شرارة لانفجار غضب غير مقصود.
تطرح مروة علاجًا اقتصاديًا- تربويًا يتجاوز النصائح التقليدية، وهو “تمكين الاستقلالية”. فبدلًا من إلقاء عبارات العجز التام أمام الطفل، تُنصح الأم بإشراكه في “ميزانية البيت” بأسلوب مبسط. هذا الوعي المادي يحول الطفل من “مستهلك قلق” إلى “شريك متفهم”، يدرك قيمة الجهد ويقلل من عدوانيته الناتجة عن الحرمان. كما تدعو مروة لإحياء “اقتصاد المشاركة” عبر تعليم الطفل تصليح أشيائه أو تدوير ألعابه، مما يرمم شعوره بـ”الكفاية” والقدرة على الإنتاج بيده، وهي مشاعر تمنحه القوة والندية لتعويض غياب سلطة الأب الحامية.
تحذر الاختصاصية النفسية رنا رضوان من جملة شائعة تُقال للطفل: “أنت زلمة البيت”، وتعتبرها “سمًا في عسل” يضع الطفل في حالة “رشد قسري”. هذا الطفل سيعاني من قلق دائم ويشعر بالذنب إذا رغب في اللعب أو الضعف. وبدلًا من ذلك، تدعو رضوان لمنحه مسؤوليات تناسب عمره فقط، لتعزيز تقديره لذاته دون تحميله ثقل “المعيل النفسي” للأم.
وتوافقها الاختصاصية التربوية بشرى مروة، مؤكدة أن “الروتين هو العلاج”. وتقترح مروة تحويل اليوم إلى “نظام حماية” عبر خطوات ملموسة تتمثل بـ: ساعة التواصل قبل النوم، حيث تُغلق الشاشات وتُفتح القلوب، ليعرف الطفل أن احتواء الأم هو السند الثابت؛ ولمّة الغداء المقدسة، حيث يتم تبادل الأخبار وتوزيع المهام، مما يعزز شعور الانتماء لجماعة متماسكة رغم النقص.
تذهب مروة في تحليلها إلى ضرورة بناء “المناعة النفسية”، وتوضح أن غياب الأب يجب ألا يتحول إلى عذر دائم للسلوك السلبي. وتضيف أن “تعليم الطفل كلمات الاحترام (شكرًا، من فضلك) يعيد له شعوره بالرقي النفسي والقوة الداخلية”. وتشير مروة إلى أهمية توجيه طاقة الطفل نحو مواهب أو أنشطة جماعية تمنحه شعورًا بالإنجاز وتخرجه من “الضحية” إلى “الفاعل”، فالطفل الذي يجد تقديرًا لذاته داخل البيت، لن يبحث عن “انتماء زائف” في الشارع أو خلف الشاشات.
تؤكد الدراسات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) ومنظمة “أنقذوا الأطفال” (Save the Children)، أن غياب الأب في بيئات ما بعد النزاع كالحالة السورية، لا يُعد فقدانًا عاطفيًا فحسب، بل هو “اضطراب في شبكة الحماية”. وبحسب دراسة منشورة في مجلة “Psychology of Violence”، فإن الأطفال الذين ينشؤون في ظل غياب “النموذج الذكوري الحامي” يظهرون استجابة أسرع لضغوط الشارع، وتزداد لديهم احتمالات اللجوء للعدوانية كآلية دفاعية بنسبة تتراوح بين 35 و45%.
وفي دراسة استقصائية أجرتها جامعة “أكسفورد” على الأطفال المتأثرين بالحروب، تبيّن أن “جودة العلاقة مع الأم” والاتفاق الأسري على المنهج التربوي (الذي ركزت عليه الاختصاصيتان في حديثهما إلى عنب بلدي) هو المتغير الوحيد الذي يمنع تحول الفقد إلى اضطراب “كرب ما بعد الصدمة”. وتشير هذه الأرقام إلى أن وجود “سند عائلي ممتد” (جد أو خال) يقلل من احتمالية إصابة الطفل بالاكتئاب السريري في سن المراهقة بنسبة 50%. أما في سوريا، فتشير تقديرات تقرير “الاستجابة الإنسانية لعام 2025” إلى أن أكثر من 60% من الأطفال السوريين في المناطق الأكثر تضررًا يعانون من “فقر الأمان النفسي” نتيجة غياب العائل. هذه الإحصائية تؤكد أن الضرر السلوكي، كالعدوانية التي أشارت إليها الاختصاصية النفسية رنا رضوان، ليس استثناء، بل هو “عرض طبيعي” لواقع استثنائي يتطلب تدخلًا تربويًا مؤسساتيًا لا يكتفي بالوعظ، بل يركز على تأهيل الأم اقتصاديًا ونفسيًا.
سوريا محلي
سياسة
سوريا محلي
اقتصاد