شرق الفرات: دمشق ترث سجونًا مسمومة من "قسد" وسط تحديات أمنية وقانونية


هذا الخبر بعنوان "إرث مسموم.. تبدل خارطة سجون الشرق بين دمشق و”قسد”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن مطلع عام 2026 مجرد محطة زمنية عابرة في مسار الصراع السوري، بل شكل نقطة تحول كبرى في ملف "تركة التنظيم" شرق الفرات. ومع تسارع وتيرة التقدم الميداني لقوات الحكومة السورية نحو معاقل كانت حصينة لسنوات تحت إدارة "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، برز ملف السجون ومراكز الاحتجاز كواحد من أعقد الملفات التي ورثتها دمشق، وسط مخاوف أمنية وتحذيرات حقوقية من مآلات هذا الانتقال.
في الرقة، تسلمت "قوى الأمن الداخلي" التابعة للحكومة سجن "الأقطان" الاستراتيجي شمالي المدينة، بالتوازي مع السيطرة على مراكز احتجاز فرعية في مدينة الطبقة. هذا الانتقال لم يكن إداريًا فحسب، بل حمل دلالات رمزية لعودة السيادة المركزية على منشآت كانت خارج الحسابات لسنوات. وأعلنت قوى الأمن الداخلي السورية، في 24 كانون الثاني، الإفراج عن 126 سجينًا قاصرًا (جميعهم دون 18 عامًا) كانوا محتجزين في سجن الأقطان بريف الرقة، وذلك بعد يوم واحد من استلام الحكومة السورية إدارة المنشأة بالكامل من "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد). وجاء الإفراج في إطار "الإجراءات القانونية والإنسانية الأولية" التي نفذتها الحكومة الجديدة لإدارة السجن، وفق تصريحات رسمية. وقائع وتفاصيل رصدتها عنب بلدي عبر مقابلات الناشطين وذوي المعتقلين مع الضحايا، تشير إلى أن أغلبية القاصرين كانوا معتقلين تعسفيًا لأسباب سياسية، وليس لأي صلة بتنظيم "الدولة الإسلامية".
أما في دير الزور، فقد كان المشهد أكثر تعقيدًا، حيث بسطت الحكومة سيطرتها على بلدات البصيرة والكسرة والشحيل. هذه المناطق كانت تضم سجونًا "مؤقتة" ومراكز تحقيق ميدانية تتبع لـ "مجلس دير الزور العسكري". ومع انهيار خطوط التماس، وجدت دمشق نفسها أمام مئات المعتقلين المحليين، مما وضعها أمام معضلة الفرز بين المتورطين في جرائم إرهابية وبين المعتقلين لأسباب تتعلق بالخصومات المحلية أو "الاشتباه غير المستند لأدلة".
يُعد سجن الشدادي بريف الحسكة الجنوبي أبرز المنشآت التي خضعت للسيطرة الحكومية في 18 من كانون الثاني الجاري. لكن عملية التسليم لم تمر بسلاسة، إذ رصدت عنب بلدي تقارير تتحدث عن "فرار غامض" لنحو 120 سجينًا من عناصر التنظيم خلال ساعات الفراغ الأمني التي سبقت وصول طلائع "الجيش السوري الجديد" قبل أن يعلن الأخير القبض على 81 من الفارين. هذا الحادث فتح بابًا واسعًا للاتهامات المتبادلة، فبينما اتهمت مصادر حكومية "قسد" بتسهيل الفرار عمدًا لإرباك السيطرة الجديدة وتصدير الأزمات الأمنية، ردت مصادر مقربة من "قسد" بأن الانسحاب كان منسقًا وأن مسؤولية الحماية انتقلت فور خروج عناصرها.
في 20 من كانون الثاني، بدأت مرحلة جديدة في مخيم "الهول" شرق الحسكة، مع انسحاب "قسد" واستلام مهام الحماية من قبل "قوى الأمن الداخلي" الحكومية. في المقابل، يبرز مخيم "روج" في ريف المالكية كجزيرة معزولة، إذ لا يزال تحت إدارة "قسد" المطلقة. المخيم الذي يضم النخبة من عائلات "المهاجرين" الأجانب، يمثل مع سجن المالكية (السجن الأسود) حائط صد أخيرًا لـ "قسد" في أقصى الشمال الشرقي، حيث ترفض التنازل عنهما دون ضمانات سياسية دولية تتعلق بوضع "الإدارة الذاتية" المستقبلي.
رغم اتساع رقعة سيطرة الحكومة، لا تزال مدينتا القامشلي والحسكة تشهدان تداخلًا أمنيًا يمنح "قسد" السيطرة على أخطر مراكز الاحتجاز:
تواجه الحكومة السورية اليوم "معضلة أخلاقية وقانونية"؛ فهي من جهة تريد بسط سيادتها، لكنها من جهة أخرى ورثت "إرثًا مسمومًا" يتمثل في آلاف المعتقلين الذين تختلط ملفاتهم بين الانتماء للتنظيم أو المعارضين لـ"قسد" الذين تتهمهم كيديًا بالانتماء للتنظيم. وعلى وقع هذا الضغط، رصدت عنب بلدي تسارعًا في عمليات نقل سجناء تنظيم "الدولة" من الجنسيات غير السورية باتجاه العراق، عبر طائرات أمريكية كثفت حضورها في أجواء الحسكة حتى صباح اليوم الأحد 25 من كانون الثاني. هذا الترحيل يبدو كاستراتيجية دولية مدعومة من "التحالف الدولي" لتحويل الأراضي العراقية إلى "مستودع آمن" بعيدًا عن تقلبات الخارطة السورية المتسارعة، وتجنبًا لأي عمليات فرار جماعي قد تعيد التنظيم إلى الواجهة. وكانت وزارة الدفاع السورية أعلنت تمديد مهلة وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) لمدة 15 يومًا. وأضافت الوزارة أن تمديد المهلة يأتي دعمًا للعملية الأمريكية لإخلاء سجناء تنظيم "الدولة الإسلامية" من سجون "قسد" إلى العراق.
خارطة السجون في شرق سوريا لم تعد كما كانت قبل عام 2026. السيطرة انتقلت جزئيًا من "التفرد الأمني" لـ "قسد" إلى الحكومة السورية، لكن هذا الانتقال لا يعني نهاية الأزمة، بل هو طور جديد من "أزمة سيادة وقانون". وبينما تحتفظ "قسد" بالسجون الأكثر خطورة (غويران، السجن الأسود، جركين) كأوراق تفاوضية، تجد دمشق نفسها غارقة في تفاصيل التدقيق الأمني لآلاف المعتقلين في الرقة ودير الزور.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة