من جدران المنازل إلى ورشات الأمل: فتيات دير الزور يواجهن البطالة بالأعمال اليدوية


هذا الخبر بعنوان "العمل المنزلي.. ملاذ الفتيات لمواجهة البطالة وضيق الحال" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دير الزور – مروان المضحي: في ريف دير الزور، تجاوزت المنازل كونها مجرد مأوى من قسوة الحرب والنزوح، لتتحول جدرانها الأربعة إلى ورشات عمل نابضة بالحياة والإصرار. ففي خضم أزمة اقتصادية خانقة تضرب مناطق شمال شرقي سوريا، اتجهت مئات الفتيات نحو الأعمال اليدوية والمهن المنزلية، لتجد فيها ملاذًا لتأمين لقمة العيش وتغطية تكاليف الحياة المتصاعدة، في ظل شح فرص العمل وتفاقم معدلات التضخم.
من الوظيفة العامة إلى “المطبخ الإنتاجي”
تجسد سماح التايه، من بلدة سويدان بريف دير الزور الشرقي، قصة كفاح بدأت قبل نحو عامين، لتكون مثالًا لآلاف الفتيات اللواتي واجهن خيارات صعبة. اضطرت سماح لترك وظيفتها جراء التدهور الأمني وصعوبة تأمين المواصلات التي كانت تستنزف جزءًا كبيرًا من راتبها، وهي تحديات تعيق عمل المرأة في دير الزور بشكل مباشر.
لم تستسلم سماح لواقع البطالة، بل استعانت بمنصة “يوتيوب” كمصدر تعليمي بديل، حيث تعلمت فنون الحياكة والخياطة. وفي حديثها لعنب بلدي، قالت: “بدأت من إبرة صغيرة، ومع الوقت وبمساعدة عائلتي، تحول هذا النشاط من هواية إلى مهنة”.
بعد عام واحد، توسع عمل سماح وبدأت ببيع منتجاتها للمحال التجارية في بلدتها والقرى المجاورة. ومع غياب الإمكانيات المادية لافتتاح مشروع مستقل، اعتمدت على “اقتصاد التشارك”، متعاونة مع جارة تمتلك ماكينة تطريز لتنفيذ طلبات خاصة مقابل نسبة مادية، في تجسيد للتكافل الاجتماعي لمواجهة العجز المادي.
شهادات جامعية “مطرزة” بالصبر
لم تقتصر هذه الظاهرة على الفتيات اللواتي لم يكملن تعليمهن، بل امتدت لتشمل خريجات جامعيات فقدن الأمل في الحصول على وظائف تتناسب مع تخصصاتهن. فادية محمود، من مدينة رأس العين والمقيمة في دير الزور، تخصصت في فنون التطريز اليدوي، حيث تصنع أوشحة التخرج وعباءات العرائس، ولوحات مرسومة بالقش والإبر، لتجد في مهنتها ملاذًا اقتصاديًا يدعم عائلتها.
وأوضحت فادية لعنب بلدي، أنه على الرغم من المجهود البدني الشاق الذي يتطلبه التطريز اليدوي والتركيز الدقيق الذي قد يرهق النظر والأعصاب، فإن المردود المادي يعتبر جيدًا بالنظر إلى انهيار القوة الشرائية للعملة المحلية، حيث يصل سعر القرص المطرز يدويًا في المنطقة إلى 50 ألف ليرة سورية.
ترى فادية أن هذا السعر جيد ويعكس حجم الجهد المبذول والقيمة التراثية للعمل الذي لا يزال يحافظ على مكانته في وجدان السكان.
تبرز أيضًا قصة سهام ماجد، التي بحثت عن عمل لعامين دون جدوى، حتى اقترحت عليها والدتها، الخياطة منذ 25 عامًا، تعلم المهنة. وقالت سهام لعنب بلدي: “تعلمت فنون التطريز التي ورثتها والدتي عن جدتي”.
وأضافت سهام: “اليوم أدرك أهمية أنواع الأقمشة مثل الكتان والقطن، وكيف يمكن تحويل قطعة قماش صماء إلى لوحة فنية يطلبها الزبائن”. وأوضحت أنها لم تعد تكتفي بالخياطة التقليدية، بل طورت أدواتها لتشمل حياكة الصوف والرسومات العصرية التي تبيعها للفتيات في المنطقة.
بيئة عمل “معقدة”
تعد الإيجارات وأزمة الطاقة من أبرز العقبات التي تواجه الفتيات، حيث تصطدم طموحاتهن بواقع خدمي ومعيشي متردٍ يحول الاستمرار إلى تحدٍ يومي. تتصدر الإيجارات قائمة العوائق، فإيجار محل تجاري صغير في مراكز المدن أو القرى الرئيسية أصبح حلمًا بعيد المنال، إذ يصل إلى مليون ليرة سورية كحد أدنى في أطراف المدن، وهو مبلغ يفوق قدرة المشاريع الناشئة ويستنزف معظم الأرباح المتوقعة.
بالإضافة إلى الإيجارات، تبرز أزمة الطاقة كعائق فني وتصنيعي كبير. فالانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي وارتفاع أسعار المحروقات اللازمة لتشغيل المولدات يعيقان عمل ماكينات الخياطة والتطريز الحديثة، ويهددان سلامة الصناعات الغذائية المنزلية التي تتطلب ظروف تخزين وتبريد محددة.
دفع هذا الواقع الفتيات إلى الاستعاضة عن الماكينات الكهربائية بالعمل اليدوي المضني الذي يستغرق وقتًا أطول، أو الاعتماد على معدات مستعارة لتقليل التكاليف التشغيلية.
لا تقتصر الصعوبات على مرحلة الإنتاج فحسب، بل تمتد إلى التسويق والبيع النهائي، حيث تضطر العاملات من المنازل إلى دفع عمولات لأصحاب المحال التجارية مقابل عرض منتجاتهن، وقد تصل هذه العمولات أحيانًا إلى ألفي ليرة سورية عن كل قطعة مبيعة.
ومع ضعف القدرة الشرائية للسكان المحليين، تواجه الفتيات معادلة صعبة تتمثل في خفض أسعار البيع لضمان تدفق السيولة، في مقابل الارتفاع الجنوني لأسعار المواد الأولية (مثل الخيوط والأقمشة والسكر والوقود)، مما يجعل هامش الربح الحقيقي في أدنى مستوياته.
“البازار الرقمي”.. “فيسبوك” و”واتساب” كواجهات بديلة
أمام هذا الانغلاق في السوق الفيزيائي، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى “بازار رقمي” مفتوح. فأصبحت مجموعات “واتساب” المحلية و”فيسبوك” هي الأسواق البديلة الفعالة، حيث تُعرض المنتجات عبر “القصص” (Stories) وتُشارك مراحل التصنيع لجذب الزبائن عاطفيًا وتقنيًا.
فتيات مثل لين السومة، يعتمدن الآن على تسويق منتجاتهن باحترافية عبر الهواتف المحمولة لجذب زبائن من خارج بلداتهن. لم يعد النشاط محليًا فحسب، بل بدأت الطلبات تأتي من مغتربين من أبناء دير الزور في أوروبا ودول الخليج، يطلبون لوحات تراثية أو فنية مرسومة بالفحم، مما يوفر لهؤلاء الفتيات مصدر دخل قد يكون بالعملات الصعبة أو عبر حوالات مالية تدعم مشاريعهن الصغيرة.
غياب الدعم المؤسساتي وحلم الاستدامة
تعاني مناطق دير الزور وريفها من أزمة اقتصادية مركبة ناتجة عن سنوات الحرب، وضعف البنية التحتية، والسياسات الاقتصادية المتقلبة. ويرى مراقبون محليون أن هذه المشاريع المنزلية، رغم صغر حجمها، تشكل النواة الأساسية لصمود المجتمع المحلي وتمنع انهيار الأسر تحت خط الفقر المطلق. ومع ذلك، تظل هذه الجهود النسوية “مبادرات فردية” تفتقر إلى التنظيم النقابي أو الدعم المؤسساتي.
المطلوب اليوم، بحسب العاملات اللواتي التقتهن عنب بلدي، لا يقتصر على المساعدات الإغاثية، بل يتعداها إلى رغبة الفتيات في الحصول على قروض صغيرة ميسرة، وتأمين ألواح طاقة شمسية لتشغيل الماكينات، وإنشاء معارض دورية تدعم “صُنع في دير الزور” بأيدي نسائها. يهدف ذلك إلى ضمان تحويل هذه الورشات المنزلية إلى مشاريع مستدامة قادرة على النمو وتوظيف فتيات أخريات، بدلًا من بقائها مجرد محاولات للبقاء على قيد الحياة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد