تمديد وقف إطلاق النار بين دمشق و"قسد": دوافع أمريكية متشابكة ومستقبل الشمال السوري


هذا الخبر بعنوان "لماذا مدّدت دمشق و”قسد” وقف إطلاق النار بينهما ؟ وما المنتظر الآن وبعد انتهاء المدة؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثار إعلان الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" عن تمديد اتفاق وقف إطلاق النار بينهما لمدة خمسة عشر يوماً تساؤلات واسعة حول الدوافع الكامنة وراء هذه الخطوة، خاصة في ظل التطورات الميدانية والسياسية المتسارعة التي يشهدها الشمال السوري. يتزامن هذا التمديد مع بدء عملية أمريكية لنقل معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية إلى العراق. وقد أكدت وزارة الدفاع السورية، في بيان مقتضب صدر مساء السبت، أن تمديد الهدنة يأتي دعماً للعملية الأمريكية الهادفة إلى إجلاء سجناء تنظيم الدولة من سجون "قسد" إلى الأراضي العراقية. من جانبها، أعلنت "قسد" عن تمديد الاتفاق، مشيرة إلى أنه تم "بوساطة دولية" وبالتوازي مع استمرار الحوار مع دمشق.
تشير المعطيات المتوفرة وتحليلات الخبراء إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تلعب دوراً محورياً في قرار تمديد الهدنة. كانت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" قد أعلنت الأربعاء الماضي عن إطلاق عملية لنقل معتقلي تنظيم الدولة من شمال شرقي سوريا إلى العراق، مؤكدة نجاح قواتها في نقل 150 عنصراً كانوا محتجزين في مركز اعتقال بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا إلى موقع داخل الأراضي العراقية.
وفي هذا الصدد، أوضح الأكاديمي والباحث السياسي كمال عبدو في تصريح للجزيرة أن واشنطن تدخلت بشكل مباشر لطلب الهدنة، وذلك ضمن سياق عملية نقل الآلاف من معتقلي تنظيم الدولة من السجون التي كانت تشرف عليها "قسد". وأشار عبدو إلى أن الولايات المتحدة تسعى من خلال ذلك إلى تجنب أي تصعيد عسكري محتمل قد يعرض قواتها المنتشرة في منطقة جغرافية محدودة شمال شرقي سوريا لخطر الاستهداف، سواء عن طريق الخطأ أو نتيجة احتكاك مباشر بين القوات السورية وقوات "قسد". وأضاف كمال عبدو أن الهدنة تهدف أيضاً إلى توفير ظروف آمنة لاستكمال نقل مقاتلي تنظيم الدولة المعتقلين إلى خارج سوريا، بالتزامن مع خطة لتقليص الوجود العسكري الأمريكي في سوريا.
تتوافق هذه التحليلات مع ما أعلنته وزارة الدفاع السورية، التي أكدت أن تمديد وقف إطلاق النار يأتي "دعماً للعملية الأمريكية لإخلاء سجناء تنظيم داعش (تنظيم الدولة)". كما يتماشى ذلك مع إعلان القيادة المركزية الأمريكية بدء نقل مئات المعتقلين، في عملية يُتوقع أن تشمل ما يصل إلى 7 آلاف عنصر.
يرى كمال عبدو أن قرار التمديد لا ينفصل عن مخاوف من تداعيات إقليمية أوسع، محذراً من تصاعد التحريض والتوتر بين العرب والأكراد في المنطقة، وما قد يترتب على ذلك من مخاطر انتقال الصراع إلى دول الجوار، خاصة تركيا والعراق. وفي هذا الإطار، يبدو وقف إطلاق النار محاولة لاحتواء التوتر ومنع انفجار عسكري واسع في مرحلة تشهد إعادة رسم لموازين القوى في شمال سوريا، خصوصاً بعد تقدم القوات الحكومية وانسحاب "قسد" من مناطق عدة، من بينها مخيم الهول ومحيطه.
وأكد عبدو أن "المشهد معقد ولا يقتصر تأثيره على الأراضي السورية، بل يمتد إلى كامل المنطقة، فواشنطن أنهت مهمتها في سوريا وما تبقى منها هو شيء بسيط جدا يتعلق بنقل مقاتلي تنظيم الدولة وسحب قواتها".
على الصعيد الداخلي، يعكس تمديد الهدنة واقعاً انتقالياً لم تتضح ملامحه بعد. فدمشق، التي تؤكد سعيها لبسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية، ترى في هذه الهدنة فرصة لترتيب ملفات أمنية حساسة، أبرزها ملف السجون والمعتقلين، وتهيئة الأرضية لدمج المؤسسات المحلية ضمن هياكل الدولة.
وفي سياق متصل، لفت مراسل الجزيرة في سوريا، عمرو حلبي، إلى أن بيان وزارة الدفاع بشأن تمديد الهدنة، سبقه بيان شديد اللهجة من هيئة عمليات الجيش السوري، اتهمت فيه "قسد" باستقدام تعزيزات عسكرية من عناصر حزب العمال الكردستاني وجلبهم من جبال قنديل إلى ريف الحسكة، كما اتهمتها بارتكاب انتهاكات واسعة في مناطق سيطرتها.
في المقابل، تتمسك "قسد" بالهدنة كمدخل لمواصلة الحوار حول مستقبل مؤسساتها العسكرية والإدارية، لا سيما في محافظة الحسكة ومدينة القامشلي، وذلك في ظل تراجع نفوذها العسكري واعتمادها المتزايد على الوساطة الدولية.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على عدة سيناريوهات محتملة. يتمثل أبرزها في التمديد الإضافي لوقف إطلاق النار، خاصة إذا تطلبت عملية نقل المعتقلين أو الانسحاب الأمريكي من الأراضي السورية وقتاً أطول. أما السيناريو الثاني فيتمثل في تحول الهدنة إلى مسار تفاوضي أوسع، قد يفضي إلى ترتيبات سياسية وأمنية تتعلق بدمج المؤسسات الكردية ضمن هياكل الدولة السورية.
وفي هذا السياق، صرح الكاتب والباحث السياسي محمود علوش للجزيرة بأن مهلة الأسبوعين الإضافيين ستكون كافية لاختبار رغبة "قسد" في المضي قدماً نحو خيار التسوية السياسية. لكنه أكد أنه على الأرض لا توجد أي مؤشرات تدل على الاقتراب من حل سياسي. فإلى جانب الحشود التي تدفع بها "قسد" إلى محافظة الحسكة، يشير الخطاب السياسي "المرتفع" لـ"قسد" ومحاولتها اللعب على وتر الهوية القومية، وحشد المجتمعات الكردية في الخارج، إلى أن "قسد" لا تعتقد أنها تتجه نحو الخيار السياسي.
من جهته، أفاد مراسل الجزيرة بأن الحكومة السورية تؤكد استمرار المباحثات مع "قسد"، التي بدورها تقول إن خط التواصل مع دمشق مفتوح ومستمر لحين التوصل إلى تسويات عملية على الأرض. وأضاف المراسل أنه حتى انقضاء مدة الخمسة عشر يوماً، سيكون أمام الدولة السورية خياران: إما استمرار المباحثات، أو اللجوء إلى الحل العسكري الذي لا تفضله، بحسب تعبيره.
وبناءً عليه، فإن عودة المواجهات العسكرية تظل خياراً محتملاً إذا تعثرت المفاوضات أو تجددت الخروقات، خاصة في ظل تاريخ متقلب من الاتفاقات بين الطرفين. وفي ظل هذه المعطيات المعقدة، لا يبدو تمديد وقف إطلاق النار خطوة نهائية، بل هو إجراء مرحلي فرضته اعتبارات أمنية أمريكية وحسابات داخلية وإقليمية متشابكة. وبينما تتقدم عملية نقل معتقلي تنظيم الدولة، يبقى مستقبل العلاقة بين دمشق و"قسد" مرهوناً بمآلات المفاوضات، وحدود الدور الأمريكي، وشكل التوازنات الجديدة في شمال سوريا.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة