من بطل قومي إلى نصب مهجور: حكاية الجنرال غوردون وتمثاله في الخرطوم


هذا الخبر بعنوان "بقايا جنرال بريطاني في مستودع بالخرطوم!" نشر أولاً على موقع worldnews-sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعد الجنرال تشارلز غوردون أحد أبرز الضباط الذين خدموا الإمبراطورية البريطانية، حيث امتدت مسيرته العسكرية عبر مناطق متعددة. اشتهر بقيادته للجيوش البريطانية في الصين، حيث لُقب بـ "غوردون الصين"، ثم تولى إدارة السودان، ليُعرف حينها بـ "غوردون الخرطوم".
مع اندلاع الثورة المهدية في السودان واشتعال حرب ضروس، أوفد رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، ويليام إيوارت غلادستون، هذا الجنرال الأسطوري الذي خاض حروباً استعمارية في الهند والصين، إلى قلب الأحداث. وصل غوردون إلى السودان وسط توترات بالغة، وكانت مهمته المعلنة تتمثل في تنظيم الأوضاع تحت الإدارة المصرية البريطانية المشتركة. لكنه قرر في نهاية المطاف البقاء في موقعه ورفض الانسحاب، مصمماً على استعادة السيطرة على السودان لصالح التاج البريطاني. لتحقيق هذا الهدف، استقر في الخرطوم وبدأ فوراً في طلب الإمدادات والدعم، مؤكداً على الحاجة الماسة لتعزيزات عسكرية من الجنود الأتراك أو الهنود أو القوات البريطانية. إلا أن مساعيه لم تُكلل بالنجاح، حيث لم تستجب حكومته لنداءاته، بل تلقى أوامر صريحة بالانسحاب من المنطقة.
في الثالث عشر من مارس عام 1884، فرضت قوات الثورة المهدية حصاراً كاملاً على مدينة الخرطوم. على مدار الأشهر العشرة التالية، أبدى غوردون مقاومة شرسة، حيث قام ببناء أسطول مرتجل مكون من تسع بواخر حوّلها إلى زوارق حربية. وعلى اليابسة، عوض النقص الحاد في عدد الجنود بإنشاء شبكة معقدة من الخنادق الدفاعية وزرع حقول ألغام في المناطق الأكثر عرضة للهجمات، وقد أثبتت هذه الألغام فعاليتها الأولية بتسببها في خسائر بين صفوف المهاجمين.
على الرغم من هذه الاستعدادات اليائسة، تضاءل عدد المدافعين عن المدينة باستمرار، بينما تزايدت أعداد قوات المحاصرين بشكل مطرد، حتى بلغ جيش المهدية قرابة خمسين ألف مقاتل قبيل نهاية الحصار. عندما تحركت الحكومة البريطانية أخيراً، كان الأوان قد فات. فشلت محاولات كسر الحصار من الخارج، وتمكن المهديون من الاستيلاء على قافلة الإمدادات الغذائية المتجهة إلى المدينة المحاصرة، مما قضى على آخر بصيص أمل للحامية المنهكة. استبد اليأس بالجميع، وكانت رسائل وبرقيات غوردون الأخيرة إلى عائلته وأصدقائه تحمل طابع الوداع.
شُن الهجوم الحاسم في ليلة الخامس والعشرين إلى السادس والعشرين من يناير عام 1885. لا توجد رواية دقيقة ومفصلة للأحداث النهائية لتلك الليلة، حيث لم ينجُ أي من الضباط البريطانيين ليروي ما جرى، ولم يوثق المنتصرون تفاصيل الواقعة. تذكر إحدى الروايات أن الجنرال غوردون خرج من مقر إقامته مرتدياً زيه الرسمي الكامل لمواجهة مقاتلي المهدية، حيث لقي حتفه طعناً بالرماح. بينما تشير رواية أخرى إلى أنه أصيب برصاصة أثناء محاولته الاحتماء في مقر القنصلية النمساوية المجرية. وبغض النظر عن الروايتين، لم يُعثر على جثمانه قط.
لم تكن هزيمة البريطانيين ومقتل غوردون نهاية المطاف، فقد استمرت محاولات إخضاع السودان لسنوات عديدة، حتى تمكنت بريطانيا من فرض سيطرتها الكاملة بحلول عام 1898. في وطنه الأم، تحول تشارلز غوردون إلى بطل قومي أسطوري، وخلد اسمه في المؤلفات الأدبية والتاريخية، وظهرت صورته على الطوابع البريدية. حتى في السودان، نُصب له تمثال تذكاري في الخرطوم، ظل قائماً حتى عام 1955. بعد استقلال السودان، فُكك النصب التذكاري للجنرال على عجل ونُقل سليماً إلى أحد المستودعات، حيث لا يزال موجوداً حتى يومنا هذا، ليقف شاهداً صامتاً على حقبة مضطربة من تاريخ الاستعمار والمقاومة. المصدر: RT
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات