سبع سنوات خلف القضبان: قسد تعتقل الطفولة وتكسر العائلات في سجون الرقة


هذا الخبر بعنوان "سبع سنوات في الزنزانة: حين تعتقل قسد الطفولة وتكسر الآباء" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
هناك لحظات تتجاوز فيها الحقائق كل لغة محايدة أو تحليل بارد أو تقارير منظمات. لحظة مؤثرة يقف فيها أب يحتضن ابنه الذي غاب عنه سبع سنوات كاملة، ليس لأنه فارق الحياة، بل لأنه كان محتجزاً في سجن. طفل دخل المعتقل في السابعة من عمره وخرج منه في الخامسة عشرة، ووالده يذرف الدموع قائلاً: "منذ سبع سنوات لم أره ولا أعرف عنه شيئاً". هذه الدموع، سواء من الأب أو الطفل، لا تحتاج إلى شرح، بل تفضح السياسات القمعية وتكشف حقيقة سلطة لا تحتاج إلى لائحة اتهام، فوجهها الحقيقي يتجلى في هذا العناق المكسور.
هذه ليست مجرد قصة فردية عابرة أو مشهد عاطفي، بل هي عنوان لسياسة ممنهجة. فقد خرج مئة وستة وعشرون قاصراً من سجن الأقطان في الرقة، جميعهم دون الثامنة عشرة. بعضهم احتُجز لأشهر، وبعضهم لسنوات، وأحدهم أمضى سبع سنوات كاملة من عمره خلف القضبان. مئة وستة وعشرون اسماً كان يجب أن يكونوا في مدارسهم، لا في زنازين، وفي دفاترهم لا في سجلات الاعتقال.
لكن "قسد" قررت أن الطفولة ليست مرحلة تستوجب الحماية، بل خطراً يجب تطويقه. أي ذهنية هذه التي ترى في طفل في السابعة تهديداً يستحق الإخفاء؟ وأي عقل يحوّل الأبوة إلى ضعف يجب معاقبته، والعائلة إلى بيئة مشتبه بها، والبيت إلى ملف أمني؟ هذا ليس خطأ في التقدير، ولا فلتاناً لعناصر فردية، بل قناعة راسخة بأن المجتمع لا يمكن حكمه إلا بكسره من أضعف نقطة فيه: الطفل. كسر الطفل يعني كسر العائلة، وكسر العائلة يعني كسر أي إمكانية لمستقبل خارج إرادة السلاح.
ثم تأتي الذريعة الجاهزة: "داعش". لكن الأعمار تفضح هذه الكذبة، والتواريخ تقتلها. فمعظم هؤلاء الأطفال اعتُقلوا بعد دحر التنظيم، وبعضهم وُلد أصلاً بعد زواله. لا علاقة لهم بسلاح أو تنظيم، علاقتهم الوحيدة أنهم عبروا، أو صوروا، أو هتفوا، أو وُجدوا في المكان الخطأ أمام سلطة لا تحتمل أي صوت، حتى لو خرج من حنجرة طفل. هؤلاء هم معتقلون سياسيون صغار السن، وهذه هي الحقيقة العارية.
سجن الأقطان ليس سجناً بالمعنى التقليدي، بل هو "غرفة كسر". لا محاكمات، لا مدد قانونية، لا معايير للعدالة. فقط زمن مفتوح تُعلّق فيه الطفولة، ويُترك الأب سبع سنوات لا يعرف إن كان ابنه حياً أم ميتاً، وتُترك الأم على باب الانتظار. أي سلطة تحتاج إلى هذا النوع من القسوة لتثبيت وجودها هي سلطة تدرك في داخلها أنها بلا شرعية، وأن الخوف هو لغتها الوحيدة.
الجريمة لا تتوقف عند الاعتقال. فذهنية "قسد" واحدة، وإن اختلفت الأدوات. في المناطق العربية، تُستباح الطفولة بالسجن والترهيب المبكر، لأنها تُصنّف خطراً سياسياً وديمغرافياً. وفي المناطق الكردية، تُستباح الطفولة بالتجنيد والأدلجة، لأنها تُصنّف مورداً بشرياً. عرب يُكسرون، وكرد يُستنزفون، والنتيجة واحدة: طفولة مسروقة، وجيل يُعاد تشكيله بالقوة.
الدعم الدولي الذي تتلقاه "قسد" لم يوقف هذه الجرائم، بل وفّر لها مظلة من الصمت. تحت هذه المظلة، يمكن لطفل أن يكبر في زنزانة، ويمكن لأب أن يشيخ في الانتظار، ويمكن للعالم أن يتحدث عن شراكات وتعقيدات، بينما الحقيقة تبكي الحجر. لا مشروع تقدمي يمر فوق سبع سنوات مسروقة من عمر طفل، ولا محاربة إرهاب تبرر تربية الأطفال خلف القضبان.
حين يحتضن الأب ابنه بعد سبع سنوات، لا يعود السؤال: لماذا اعتقل؟ بل: أي سلطة هذه التي فعلت ذلك؟ أي إدارة هذه التي لا ترى في هذا المشهد جريمة كبرى؟ وأي أخلاق سياسية تسمح بأن يتحول العناق إلى خبر، والدموع إلى دليل إدانة لا أحد يريد قراءته؟ "قسد" لا تخطئ حين تعتقل الأطفال، لأنها تفعل ما تؤمن به. إنها سلطة تخاف المجتمع، وتخاف الزمن، وتخاف الأجيال القادمة. ولهذا، حين تشعر بالخطر، لا تبدأ بالمقاتلين، بل بالأطفال، وتترك الآباء يبكون أمام الكاميرات، شهوداً أحياء على جريمة اسمها: اعتقال الطفولة.
بقلم: ريم الناصر - زمان الوصل
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة