وكالة كيا في سوريا: إنذار عائلي يكشف صفقات الفوز وغريواتي ويفتح ملف اقتصاد الحرب والتحولات الجديدة


هذا الخبر بعنوان "انذار الأشقاء يفتح ملف “كيا” و”الفوز – غريواتي” بين عهد الأسد وسوريا الجديدة" نشر أولاً على موقع worldnews-sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن حفل افتتاح وكالة “كيا” في دمشق، مساء أول أمس، مجرد فعالية تجارية عادية، بل كان حدثاً صاخباً سبقته إعلانات طرقية لأسابيع، وحضره رجال أعمال وشخصيات رسمية، حاملاً رسالة واضحة مفادها: “كيا عادت.. وغريواتي عاد معها”. لكن خلف هذا المشهد الاحتفالي اللامع، تتكشف قصة أخرى معقدة، بدأت بدعوى عائلية، وعقد بيع قديم، وتغيير ملكية شركة كابلات، ومسار وكالة لم يكن ثابتاً في دمشق كما بدا، بل تحرك لسنوات ضمن ترتيبات اقتصادية رافقت مرحلة الحرب.
ما كشف هذه القصة ليس خصماً سياسياً ولا منافساً تجارياً، بل إنذار رسمي صادر من داخل البيت ذاته: أشقاء عماد غريواتي يتهمونه بالتصرف المنفرد بواحدة من أكبر “أصول العائلة” التجارية، وهي وكالة “كيا” في سوريا. وبحسب الإنذار الذي حصل “هاشتاغ” على نسخة منه، فإن وكالة “كيا” لم تكن ملكاً فردياً يمكن التصرف به وحده، بل كانت أصلاً تجارياً ضمن شركة عائلية تضامنية. ويؤكد الإنذار أن أي نقل أو بيع لهذا الأصل يستلزم موافقة الشركاء والمالكين، إضافة إلى موافقة المرجعية العائلية المالكة للحصص.
يضع أشقاء عماد غريواتي روايتهم بصيغة قانونية شديدة الوضوح عبر إنذار موجه بواسطة الكاتب بالعدل في دمشق. الوثيقة لا تتوقف عند حدود الادعاء، بل تتضمن طلباً صريحاً بدفع “الحصة القانونية” من ثمن بيع الوكالة، وتحذيراً من المسار القضائي، بما في ذلك الدعاوى الجزائية والمدنية وطلب الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة. الأهم أن الإنذار يربط عملية البيع بنقطة زمنية محددة: عام 2017، وهي السنة نفسها التي ارتبطت في السوق السورية بصعود أسماء جديدة سيطرت على مفاصل الاستيراد والتجميع والتوكيلات، ضمن ما كان يُعرف آنذاك بـ”اقتصاد الحرب” الذي رعاه النظام السابق حتى وصل إلى مرحلة “التخمة”.
خلال سنوات الثورة السورية، لم يكن استيراد السيارات إلى سوريا مسألة تجارية بحتة، بل ملفاً مركباً تحكمه العقوبات، والامتيازات الخاصة، ومسارات “الالتفاف” عبر التجميع وقطع الغيار، وتوسع الوكالات الفرعية في المحافظات. في تلك المرحلة، ظهر اسم سامر الفوز بوصفه واحداً من أبرز الواجهات الاقتصادية التي استفادت من شكل السوق الجديد، وتحول إلى لاعب شديد التأثير في التجارة والصناعة والاستحواذات. وبحسب وثائق “هاشتاغ” ومعلومات متقاطعة، ارتبط اسم الفوز بملف “كيا” منذ عام 2017، عبر امتلاك وتشغيل مسار الوكالة في سوريا خلال السنوات التي غاب فيها وكيلها التقليدي عن السوق السورية. وخلال هذه الفترة، فُتحت صالات بيع ومراكز صيانة، وبدأ توزيع وكالات فرعية في المحافظات. ومع مرور الوقت، تحولت “كيا” إلى واحدة من العلامات الأكثر حضوراً في مناطق سيطرة النظام السابق، ليس فقط بصفقات البيع، بل أيضاً عبر تقديم سيارات لكبار المسؤولين ومراكز القرار، كجزء من شبكة العلاقات التجارية – السياسية التي حكمت السوق آنذاك.
في قلب هذه القصة، يبرز اسم شركة الكابلات السورية بوصفها نقطة الربط الأكثر حساسية بين “وكالة كيا” و”اقتصاد الاستحواذات” في زمن الأسد. وتؤكد الوثائق والعقود المرتبطة بالملف أن ملكية شركة الكابلات السورية انتقلت ضمن مسار متدرج، بدأ بمرحلة دخول الفوز إلى خطوط الملكية، ثم انتقالها لاحقاً إلى رجل الأعمال يسار إبراهيم، المعروف “كخازن الأسد”. هذا التحول لم يكن مجرد تبديل أسماء على سجل تجاري، بل إعادة تشكيل لواحدة من أهم حلقات الإنتاج الصناعي المرتبطة بالبنية التحتية والقطاعات الكبرى. وبحسب ما تضمنه الملف، فإن صفقة الكابلات لم تكن منفصلة عن ترتيبات الوكالات والامتيازات، إذ شكل انتقال الملكية، بما فيه نقل الأصول وتغيير الإدارة والهيكلة، سياقاً موازياً لملف “كيا”، باعتبار أن الوكالة نفسها كانت ضمن منظومة تجارية واسعة تتشابك فيها الاستثمارات الصناعية مع الامتيازات الحصرية. هذه الخلفية تفسر لماذا يظهر في الملف الحديث عن “حزمة واحدة”: معمل، وكالة، عقود بيع، وحقوق عائلة، ضمن مرحلة كانت فيها الأسواق تدار بعلاقات القوة أكثر من إدارة المنافسة.
ضمن الوثائق الأساسية في الملف، والتي حصل عليها “هاشتاغ”، تبرز وثيقة صادرة عن (Kia Motors Corporation) من مقرها الإقليمي في دبي، بتاريخ 22 أكتوبر/تشرين الأول 2019، تؤكد اعتماد (KMS International FZE) المسجلة في منطقة جبل علي الحرة، لاستيراد سيارات كيا وقطع SKD/DKD من موانئ دبي “جافزا” إلى شركة (Modern Motors) بهدف تجميع السيارات في منشأتها الواقعة في المدينة الصناعية حسياء – حمص. هذه الوثيقة تحمل توثيقاً إدارياً لمسار توريد وتجميع ضمن شبكة تشغيل تمتد من الموانئ إلى خطوط الإنتاج داخل سوريا. وبموجب رخصة “جافزا” التجارية، فإن (KMS International FZE) شركة محدودة المسؤولية، يديرها “أمير هيثم درويش”، وتشمل نشاطاتها تجارة السيارات وقطعها ومستلزماتها. في تلك السنوات، كان خيار “التجميع” واحداً من أهم الأدوات التي استُخدمت لإبقاء تجارة السيارات قائمة داخل سوريا، وتجاوز القيود التي فرضتها الحرب والعقوبات. وبذلك، يصبح ملف “كيا” ليس مجرد وكالة بيع، بل منظومة تشغيل كاملة، بدءاً بالتوريد مروراً بالتجميع والتوزيع، وصولاً للصيانة، والوكلاء الفرعيين.
في خلفية هذا المسار، تثبت الوثائق وجود عقد مباشر يربط بين عماد غريواتي وعامر الفوز (شقيق سامر الفوز) بموجب وكالة، وهو العقد الذي يعكس طبيعة الصفقة التي جرى من خلالها نقل حقوق تشغيل وملكية مرتبطة بملف الوكالة في سوريا خلال سنوات النظام السابق. ويأخذ العقد أهميته من كونه يقدم تفسيراً عملياً لسؤال ظل مطروحاً في السوق طوال السنوات الماضية: كيف انتقلت الوكالة من يد الوكيل التاريخي إلى منظومة تشغيل جديدة ارتبطت بالفوز؟ وكيف عادت لاحقاً لتظهر باسم غريواتي من جديد؟ في السياق نفسه، تتضمن الوثائق صفحة توقيع لاتفاق رسمي بين (Kia Motors Corporation) و(Kia Motors Syria)، تحمل توقيع مسؤول تنفيذي رفيع من طرف الشركة الأم، وتوقيع عماد غريواتي بصفته “Chairman”، بما يضعه في قلب المسار القانوني والإداري لملف الوكالة.
مع سقوط النظام السابق وسيطرة “هيئة تحرير الشام” على السلطة في سوريا، رُفع شعار “نصرٌ لا ثأر فيه”، وبدأت السلطة الجديدة بترتيب أوراقها وسط ملفات ثقيلة تركها الإرث الاقتصادي السابق، مثل شبكات النفوذ، قروض وديون، أموال متشابكة، ومراكز قوة تشكلت تحت عنوان “اقتصاد الظل”. وفي هذا المناخ، تحركت السلطة الجديدة عبر أدوات مستحدثة، أبرزها ملفات الكسب غير المشروع وإعادة تنظيم الأصول، وصولاً إلى تسويات أولى مع بعض رجال الأعمال. ومع اتساع الحديث عن تسويات أخرى، بقي اسم سامر الفوز واحداً من أكثر الأسماء حساسية نظراً لحجم نفوذه السابق وتشابك ملفاته المالية. لكن في الوقت الذي بدا فيه الفوز محاطاً بإجراءات تسوية وتدقيق وملاحقة، عاد عماد غريواتي إلى المشهد بصورة مختلفة، من خلال قربه من دوائر القرار، وحضوره الاجتماعي والرسمي، وافتتاح لوكالة “كيا” من جديد، كما لو أن مرحلة كاملة طُويت سريعاً.
عودة “كيا” إلى دمشق اليوم، وفق هذه الوقائع، ليست عودة علامة تجارية فقط، بل عودة “ملف” بكامل تفاصيله، عبر إنذار قضائي من الأشقاء، وعقود بيع وتنازل، وانتقال ملكية معمل الكابلات، ومسارات تجميع في حسياء، وتداخل أسماء صنعت نفوذها خلال سنوات الحرب. والصورة الأوضح التي تتبين من كل ذلك، أن الوكالة لم تكن في أي مرحلة مجرد لوحة على باب صالة، بل كانت جزءاً من اقتصاد كامل يعتمد على الامتياز الحصري، وحركة المال، وعلاقات النفوذ، والتجميع، والتحالفات التجارية التي لا تتغير بسهولة حتى عند تغير الأنظمة. في سوريا الجديدة، حيث تُرفع شعارات مكافحة “الفلول والفساد”، تبدو قضية “كيا” نموذجاً مثالياً لاختبار المنهج: فهل تُعاد هيكلة السوق على أساس قانوني شفاف؟ أم أن بعض الملفات ستعود كما كانت، مع تغير العناوين فقط؟ في النهاية، تبقى حقيقة واحدة ثابتة لا تقبل اللبس، وهي أن وكالة “كيا” لم تتحرك وحدها، بل تحرك معها جزء من اقتصاد سوريا الثقيل، من المصانع إلى التوكيلات، ومن العقود إلى التسويات.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد