عبد العزيز أبو المجد: رحلة الأدب من الحكاية إلى الأثر في «ربيع آخر وأشياء أخرى»


هذا الخبر بعنوان "من «أهلاً جوبيتير» إلى «ربيع أخر وأشياء أخرى»: حين يتخلى الأدب عن الحكاية" نشر أولاً على موقع foryousyria وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يطرح كتاب «ربيع آخر وأشياء أخرى» للكاتب والمفكر عبد العزيز أبو المجد، منذ لحظة صدوره، سؤالًا جوهريًا لا يتعلق بموضوعه أو نوعه أو تصنيفه، بل بضرورته واللحظة التي اختار أن يظهر فيها، والسبب وراء أسلوب كتابته المميز الذي يبدو خارج السياق المألوف للأدب العربي المعاصر. هذا السؤال هو محور القراءة بأكملها، فالكتاب لا يُطلب فهمه كمجموعة نصوص أو حكايات أو تأملات متفرقة، بل كأثر لزمن لم تعد فيه الحكاية قادرة على أداء وظيفتها التقليدية، ولم يعد السرد قادرًا على احتواء التجربة الإنسانية كما كان من قبل.
نحن أمام نص كُتب من عمق التعب لا من رغبة التعبير، ومن انسداد المعنى لا من وفرة التجربة. لذا، فإن أي محاولة لقراءته قراءة تصنيفية تُفقده جوهره، لأنه لا يشتغل على ما يُروى، بل على ما يتبقى بعد عجز الإنسان عن الحكي، وعلى الأثر الذي تتركه الحياة في الوعي، لا على ترتيبها في بنية مكتملة.
تكمن قيمة هذا الكتاب في إدراكه منذ سطوره الأولى أن الزمن لم يعد خطيًا، وأن التجربة لا تتقدم نحو نهاية واضحة، وأن الذاكرة لا تعيد بناء ما حدث كما وقع، بل كما ظل عالقًا في الداخل. لهذا، يختار شكلًا لا يقوم على الحبكة أو البطل أو الصعود والذروة، بل على تراكم الحالات ونبض داخلي واحد يتكرر، ليس كعجز، بل كطبيعة وعي يعيش داخل الجرح لا خارجه. بهذا المعنى، يضع «ربيع آخر وأشياء أخرى» نفسه ضمن تقليد أدبي عالمي يظهر كلما فقد الأدب ثقته بنفسه كأداة لتمثيل العالم، وبدأ يكتب من موقع الشهادة لا البناء، ومن موقع الأثر لا الحكاية.
في لحظات ما بعد الحروب الكبرى في أوروبا، عندما انهارت فكرة المعنى الكامل، ظهرت الشذرة واليوميات والنص المفتوح والاعتراف غير المكتمل. كتب كافكا وبروست وسيوران وبيسوا نصوصًا لا لتفسير العالم، بل لتسجيل انهياره داخل الإنسان. استدعاء هذا السياق ليس للمقارنة أو الاستعراض، بل لتفسير ضرورة هذا الكتاب ومشروعيته الأدبية الواضحة في اختياره لهذا الشكل بالذات. يظهر هذا المنحى بوضوح في نص سابق لعبد العزيز أبو المجد من روايته «أهلاً جوبيتير»، في الجزء الذي يستعيد فيه حصار لينينغراد عبر صوت طفلة تكتب لأختها الغائبة. هنا، لا يعود التاريخ مادة للسرد، بل يتحول إلى أثر داخلي يُكتب من داخل الجوع والبرد والانتظار، لا من خارجه. الطفلة لا تفهم الحرب، لكنها تشعر بانهيار العالم، فتدوّن لا لتروي بل كي لا يضيع ما حدث حين تعود أختها. تقول: «خشيت ألا أراكِ حين تعودى فلا تفهمى ما حدث». هنا تتحول الكتابة إلى فعل حفظ للمعنى، لا إلى حكي للوقائع. في هذا الجزء، لا نقرأ قصة حصار، بل نعيش زمنًا متوقفًا تتآكل فيه الأشياء تدريجيًا: القلم، الغطاء، الخبز، الأصوات، حتى الكلمات نفسها. وتتكرر العبارة: «ورغم كل شيء… لابد للحياة أن تستمر» لا بوصفها عزاءً، بل كجملة آلية فقدت معناها من كثرة الترديد، وهو ما يكشف مبكرًا عن المسار الذي سيصل إليه الكاتب لاحقًا في «ربيع آخر وأشياء أخرى»: كتابة من داخل الإنهاك، لا من خارجه، ومن داخل الصمت، لا من وفرة المعنى.
هكذا يبدو أن المشروع كله يتحرك في اتجاه واحد: تقليص الحكاية، وتكثيف الأثر، والانتقال من السرد إلى الشهادة. في السياق العربي، تتضاعف أهمية الكتاب لأن الثقافة السردية العربية ما زالت في كثير من تجلياتها مشدودة إلى فكرة الراوي الذي يفسر، والبطل الذي يتغير، والنهاية التي تمنح مغزى. بينما يقترح هذا الكتاب كتابة بلا بطل، وبلا مغزى تعليمي، وبلا نهاية مريحة؛ كتابة تعترف بأن الإنسان العربي المعاصر يعيش في منطقة تتكاثر فيها الأحداث إلى حد يصعب معه ترتيبها، وتتراكم فيها التجارب دون أن تتحول تلقائيًا إلى معنى. هذا الاعتراف بحد ذاته خطوة أدبية كبيرة، لأنه يعيد تعريف وظيفة الأدب من إنتاج الحكاية إلى التقاط الأثر، ومن صناعة العزاء إلى منح القارئ قدرة على رؤية ما يحاول عادة أن يتجاوزه أو ينساه بسرعة. الأدب هنا لا يشرح ولا يواسي ولا يقود، بل يشهد ويترك الأثر يعمل ببطء داخل الوعي.
أسلوب الكاتب هو مركز قوة العمل والسبب الأول في قدرته على البقاء. اللغة هنا مقتصدة ومشدودة ومتحررة من أي زينة مجانية، كأن كل جملة تمر عبر اختبار أخلاقي صارم: هل هي ضرورية؟ هل تضيف أثرًا أم مجرد صوت؟ هل يمكن حذفها دون أن يفقد النص صدقه؟ هذا الاقتصاد ليس فقرًا بل انضباطًا، وهو ما يكشف موهبة ناضجة تعرف أن البلاغة قد تتحول في بعض أنواع الكتابة إلى ستار يخفف الألم، بينما هذا الكتاب يريد للأثر أن يبقى حيًا. لذلك، تعمل اللغة كأداة تركيز لا كأداة تجميل، والجملة القصيرة لا تبدو جافة لأنها مشحونة بطاقة مكتومة، ولأنها تترك المعنى ناقصًا ليكتمل في ذهن القارئ لا في السطر نفسه. هنا تظهر موهبة الكاتب في الحذف أكثر مما تظهر في الإضافة، وفي استخدام الصمت بوصفه جزءًا من المعنى لا فراغًا عارضًا. الصمت في هذا الكتاب ليس غياب الكلام بل شكله الأكثر صدقًا، ولهذا يشعر القارئ أنه لا يقرأ سردًا عاديًا بل يقترب من مادة داخلية حساسة تتعامل مع الذاكرة والخيبة والنجاة بوصفها حقائق يومية لا موضوعات مزخرفة.
من الناحية البنيوية، يمنح هذا الاختيار الأسلوبي الكتاب وحدة صوتية واضحة. تماسكه لا يقوم على الحدث بل على النبرة، وهذا تماسك بالغ الصعوبة لا ينجح فيه كثيرون، لأن النبرة إن لم تكن أصيلة تتحول إلى تكرار فارغ. أما هنا فالنبرة أصيلة، ولذلك يصبح التكرار جزءًا من البناء وجزءًا من صدق التجربة، وليس علامة على الفقر أو الكسل، بل على الإقامة داخل الحالة وعدم الهروب منها. القراءة المتأنية تكشف أن النص لا يعيد نفسه بل يعيد النظر في نفسه من زوايا مختلفة، وكل عودة هي محاولة فهم جديدة لا استعادة.
لا يأتي «ربيع آخر وأشياء أخرى» كقطيعة في مسار الكاتب عبد العزيز أبو المجد، بل كمرحلة ناضجة في مشروع كتابي بدأ منذ سنوات وتبلور عبر أعمال سابقة مثل «كولاج» و«سيكولوجي» و«أهلاً جوبيتير»، حيث كان الكاتب يختبر دائمًا حدود الشكل ويعيد مساءلة العلاقة بين النص والوعي وبين الكتابة والتجربة الداخلية. الجديد في هذا الكتاب ليس الحساسية ولا القلق ولا الميل إلى التفكك، فهذه عناصر كانت حاضرة دائمًا في مساره، بل الجديد هو النضج الواضح في التعامل معها والقدرة على ترك النص يعمل دون شرح، وعلى الوثوق بالصمت، وعلى تخفيف الأدوات بعد أن أتقنها. نحن أمام كاتب لا يبحث عن شكل جديد بقدر ما يعمق شكلًا اختبره طويلًا، ويصل به هنا إلى درجة من الصفاء تسمح للنص أن يقف وحده دون حماية.
من موقعي كمخرج، أقرأ هذا الكتاب لا كنص أدبي فقط، بل كبنية زمنية وكإيقاع داخلي وكعمل بصري قبل أن يكون مكتوبًا. ما يفعله الكاتب في اللغة هو ما نحاول نحن فعله في السينما حين نتوقف عن تفسير الصورة ونتركها تعمل وحدها، حين نثق بأن اللقطة الصامتة أصدق من المشهد المشروح، وأن الفراغ قد يكون أبلغ من الحوار. هذا النوع من الكتابة يعلّم الصبر ويعلّم الثقة في المتلقي، ويذكر بأن المعنى لا يصنع بالحدث بل بالتراكم وبالزمن الذي يمر داخل القارئ لا داخل النص. ولهذا يمكن قراءة «ربيع آخر وأشياء أخرى» كفيلم غير مكتمل عمدًا، كعمل يترك مساحاته البيضاء مفتوحة ليشارك القارئ في بنائه لا ليستهلكه فقط، وهو ما يجعله نصًا بصريًا بامتياز حتى وهو مكتوب.
لهذا فإن التحية في هذا المقال ليست لكتاب واحد بل لمسار كامل يواصل الكاتب بناءه بهدوء وعناده الجمالي، مسار يراهن على الأدب بوصفه شهادة لا استعراضًا، ووعيًا لا خطابًا، وصدقًا لا وعدًا. «ربيع آخر وأشياء أخرى» ليس كتابًا يطلب الإجماع ولا يسعى إلى الانتشار السريع، بل يراهن على نوع آخر من الحضور، حضور العمل الذي يبقى في الوعي عبر التاريخ، لأن النصوص التي تكتب من داخل الضرورة لا تموت بسرعة حتى لو لم تكثر حولها الضوضاء. وهو بهذا المعنى إضافة حقيقية إلى المكتبة العربية، لا لأنه يرفع صوته، بل لأنه يكتب من مكان نادر، مكان يفضل الحقيقة على الزينة، ويعرف أن الأدب حين يكون صادقًا يصبح وثيقة حساسية لا مجرد منتج سردي. ومن هنا يمكن القول بثقة إننا أمام كاتب يملك صوتًا متماسكًا ومسارًا واضحًا، وكتابًا يضيف طبقة جديدة من العمق والصمت إلى هذا المسار، ويؤكد أن الكتابة حين تبلغ هذه الدرجة من الوعي لا تكون نهاية تجربة بل استمرارها في مستوى أعلى وأكثر صفاء.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة