نرسيس في مرايا الغرب: رحلة أسطورة الجمال والذات عبر الفكر والأدب والفن


هذا الخبر بعنوان "صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب" نشر أولاً على موقع worldnews-sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما أطلقت الشعوب القديمة العنان لمخيلاتها الجمعية، في ظل عجز العقل وقصوره، لتعثر في الأساطير على تفسير لظواهر الطبيعة. وفي هذا السياق، برزت الحضارة اليونانية كواحدة من أكثر الحضارات ابتكاراً للأساطير، حيث نصبت آلهة أو أكثر لكل ظاهرة متصلة بالوجود والمسيرة الإنسانية، إضافة إلى أنصاف الآلهة الذين يتوسطون بين الأرضي والسماوي، والعادي والخارق، والبشري وما بعد البشري.
لم تتشكل الميثولوجيا اليونانية في عصر واحد أو على صورة واحدة، بل كانت مزيجاً من ميثولوجيا الخليقة وأصل العالم، وقصص اختلاط الآلهة والبشر، وسير الأبطال الملحميين. وقد أصبحت النماذج العليا التي وضعتها للحياة والموت، والبطولة والحب، والجمال والألم، جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الغربية والإنسانية عموماً.
وكما كان على الأبطال التراجيديين، مثل بروميثيوس وسيزيف وأورفيوس، أن يدفعوا غالياً ثمن سلوكياتهم وأفعالهم المثيرة لغضب الآلهة، كان على نرسيس، الصياد الوسيم العاشق لنفسه، أن يدفع ثمن افتتانه المفرط بجماله. عاقبته الآلهة بدفعه إلى التحديق في انعكاس صورته في الماء، حتى قضى غرقاً في مياه الافتتان بالذات المظلمة، قبل أن يتحول إلى زهرة جميلة تحمل اسمه.
في كتابه «الحب والحضارة»، اعتبر هربرت ماركوز أن الحضارة الغربية، منذ سقراط وأفلاطون وحتى عصورها المتأخرة، وضعت العقل في مواجهة دائمة مع الغريزة. فقد استُخدم العقل كأداة للقسر والقمع وكبح الأهواء، بينما نُظر إلى كل ما ينتمي إلى منطقة الغريزة واللذة على أنه خطر على العقل وقوانين الانتظام العام والسلامة الأخلاقية. وإذا كان بروميثيوس هو الرمز الثقافي للعمل الباحث عن مردود وللإنتاجية والتقدم عن طريق القمع، فإن نرسيس وأورفيوس، اللذين تشبه صورتهما صورة ديونيزيوس، كانا نموذجين للفرح والارتواء، وصوتهما «هو الصوت الذي لا يأمر أخلاقياً ولكنه يغنّي».
على الصعيد الأدبي، تركت شخصية نرسيس أصداء متلاحقة في الأدب والفن الغربيين. كان الشاعر الروماني أوفيد من أوائل من أولوا شخصية نرسيس عناية خاصة، حيث أفرد له صفحات عدة من كتاب «التحولات». تحدث أوفيد عن الطفل الفائق الوسامة، ثمرة علاقة عشق صاعق بين ليريوبي، ربة الماء الفاتنة، والإله النهر كيفيزوس. ومنذ يفاعته، وقع نرسيس في عشق نفسه، وقابل بالصدود كل الآلهات الشابات اللاتي عملن على إغوائه، بمن فيهن إيكو إلهة الغابة، التي غضبت منها الآلهة الكبرى وحولتها إلى صدى. وبعد مطاردة عقيمة، قررت إيكو انتقاماً لحبها أن تتقمص انعكاس صورة حبيبها في المياه العميقة. وحين انحنى نرسيس ليشرب، أعجبت صورته في الماء، فأغرق نفسه فيه. وبحسب رواية أوفيد، بكته الآلهات جميعاً، وكانت إيكو ترجّع نواحهنّ. وعندما هيئت المحرقة والمشاعل، غاب الجسم وفي مكانه نبتت زهرة بلون الزعفران تحيط بقلبها أوراق بيضاء.
على الرغم من أن شخصية دون جوان، التي ابتكرها الكاتب الإسباني تيرسو دي مولينا في بداية القرن السابع عشر، تمتلك وجوهاً متعددة تتصل بالسلوك الماجن والتهافت الأبيقوري على اللذة ومفهوم الخطيئة والعقاب، والانقلاب الاحتجاجي على التزمت الديني ورومانسية القرون الوسطى، فإنه لا يتطلب جهداً كبيراً لاكتشاف الجنوح النرجسي لهذه الشخصية. فقد وقع صاحبها في عشق نفسه، جاعلاً من إغواء النساء وطلب اللذة والمجون العابث ديدنه وهاجسه المستمر.
ولم يفُت وليم شكسبير أن يتخذ من المآل المأساوي لجمال نرسيس العبرة الملائمة لحمل الجمال على التخلي عن أنانيته القاتلة، عبر الاتحاد العميق بالآخر. وإذ يجعل من حب الذات «الوقود الكبير الذي يغذي شعلة النور الإنساني»، يحث شكسبير شاباً وسيماً مأخوذاً بجماله ومكتفياً به على الإنجاب، لكي لا يكون الجمال مرادفاً للعقم، بل للتجدد والخصب واستمرار النسل، مضيفاً: «انظر في مرآتك وقل للوجه الذي تراه إن الوقت قد حان لينشئ ذلك الوجه وجهاً آخر وهكذا عبر نوافذ عمرك سترى رغم التجاعيد زمنك الذهبي وإلا متَّ وحيداً وماتت معك صورتك».
كما بدا النزوع النرجسي واضحاً لدى أندريه جيد، الذي أظهر منذ مطالع صباه انهماماً بالغاً بالذات، واحتفاء باللذة، فضلاً عن ميوله المثلية. ثم ما لبث في فترة نضجه أن تراجع عن جنوحه السلوكي، وعاش وفقاً لما طاب له أن يسميه «نظام الطبيعة» القويم. أما كتاب «اتفاق نرسيس» الذي كتبه جيد في مطالع شبابه، فهو نص تأملي يستلهم فيه الكاتب أسطورة نرسيس، ليطرح أسئلة فلسفية حول الذات والهوية والجمال، حيث يحاول البطل الأسطوري دون جدوى أن يقبض على صورته في مرآة الماء. وهو إذ ينحني فوق نهر الزمن، تمر فيه وعبره جميع الأشكال، قبل أن تلوذ بالفرار، ويهتف جيد بلسانه: «أيتها الأشكال الإلهية الدائمة التدفق من ذا الذي لا يرتقب عودة السكون ثانية فالجنة يمكن إعادة صنعها على الدوام وحيث تغوص المياه الأكثر كثافة كل شيء يجهد ليبلغ شكله المفقود».
في قصيدته المميزة ذات اللغة المتوهجة «نرسيس يتكلم»، يشير بول فاليري إلى أنه استلهم القصيدة من عبارة «إرضاء لأرواح النرجس» المنقوشة على قبر نرسيسا، ابنة الشاعر الإنجليزي إدوارد يونغ، التي قضت نحبها في ريعان الصبا بعد أن ألمّ بها مرض داهم. ويحرص فاليري في الوقت ذاته على التحدث بلسان الشابة المتوفاة، التي تعدى تماثلها مع نرسيس إطار الاسم، ليصبح تماثلاً في المصير، فيكتب قائلاً: «ها أنا ذا أهلكُ بالجمال أهلك لأنني اشتهيتُ نفسي في عريك لكَم آسفُ على بريقكَ الصافي المنهك أيها النبع الذي أحتضنه برقّة حيث شربتْ عيناي من لازورد الفناء». وليس صدفة أن يلح فاليري على الاحتفاء بشخصية نرسيس، إذ في هذا الاحتفاء ما يتعدى جمال الوجه والجسد، ليتصل باللغة نفسها، وهو الذي كان مساعداً لرائد المدرسة الرمزية ستيفان مالارميه، ومشاركاً في حركة الصنعية الجمالية التي قادته بسبب ما تستلزمه من نمنمة زخرفية، إلى التخلي عن الكتابة لعقدين كاملين من الزمن. وفاليري، الباحث عن الكمال المطلق، الذي كان يعتقد بأن القصيدة الحقيقية لا تنتهي، وإنما تُترك فقط، هو الذي عاد في قصيدته «الملاك» ليكتب ما حرفيته: «الكائن الخالص الذي هو أنا، الذكاء الذي يمتص بسهولة كل الخليقة دون أن يؤثر فيه شيء أو يغيره شيء، لن يتعرف على نفسه في هذا الوجه الطافح بالحزن».
يصعب الحديث أخيراً عن أثر النزوع النرجسي في الشعر الغربي، دون التوقف قليلاً عند تجربتي الشاعرتين الأميركيتين آن سكستون وسيلفيا بلاث، اللتين جمعتهما روابط كثيرة، بينها الولع بالشعر، وصداقة شخصية عكست نفسها فيما تبادلتاه من رسائل، إضافة إلى الوقوع في مرض الاكتئاب ذاته، والفشل في الحياة والحب. حتى إذا عجز الشعر عن إسكات الأصوات السوداء المنبعثة من الأعماق الجحيمية للشاعرتين المطعونتين بنصال الحياة، بدا الموت انتحاراً بمثابة المرآة الأخيرة التي تلملم شتات ذاتيهما المنفصمتين، وتوحيدهما في صورة واحدة. وإذ تكتب سكستون من جوف عالمها المشوش «مرآتي الساخرة، حبي المقلوب، صورتي الأولى، ذلك الرأس الحجري للموت الذي تجاوزته وأنا أتعفن على الجدار دوريان غراي نفسي، وتلك المرآة المزدوجة التي تحدق في نفسها كأنها متحجرة في الزمن»، تحاول بلاث في قصيدتها «المرآة» الاستعانة بهذه الأخيرة، لكي ترسي ذاتها المتحولة على شكل نهائي. حتى إذا زينت لها ذاتها النرسيسية المنفصمة، وهي تحدق في مياه بالغة الاضطراب، أنها الوجه والمرآة في وقت واحد، وأنها تنزلق بلا هوادة نحو مصيرها المأساوي، هتفت قائلة: «أنا الآن بحيرة، وثمة امرأة تنحني فوقي، تبحث في أعماقي عما هي عليه حقاً، فيّ غرقتْ فتاة صغيرة، وفيّ تظهر امرأة عجوز تتوجّه نحو مصيرها كل يوم، مثل سمكة رهيبة».
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة