بشير البكر يعود إلى دمشق: مرآة الذاكرة والواقع المتغير في "رحلة إلى الزمن الضائع"


هذا الخبر بعنوان "سوريا في مرآة بشير البكر… رحلة إلى الزمن الضائع" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم رولا عبدالله
لم يعد المكان هو ذاته بعد غياب طويل، ولا الذاكرة، مهما ادّعت الدقة، قادرة على استعادة الأشياء إلى مواضعها الأصلية. في كتاب "سوريا: رحلة إلى الزمن الضائع" الصادر عن دار هاشيت أنطوان/ نوفل، لا يعود الكاتب السوري بشير البكر إلى دمشق بصفته ابن المدينة العارف بأزقّتها، بل كشاهد متأخر على زمن مضى ومدينة سبقت عائدها بخطوات كثيرة.
لقد جعلت خمسة وأربعون عاماً من المنفى الذاكرة تظنّ أنها تحتفظ بالأمكنة بدقة، قبل أن تكتشف، عند أول احتكاك بالشارع، أن الذاكرة تخون، وأن العودة لا تدوم كما يتمنّاها أصحابها. هذا الكتاب ليس مجرد نشيد حنين صافٍ، ولا احتفالاً سهلاً بالعودة بعد سقوط النظام، بل هو كتابة تتناول المسافة الفاصلة بين ما كان وما صار.
يتجول الراوي في الصالحيّة والشيخ محيي الدين، ويستعيد العمارة التي سكنها شاباً وجوار جامعة دمشق، وكأنه يستدعي مدينة محفوظة في داخله، ليصطدم بواقع مختلف: علامات مُحيت، بيوتٌ تغيّرت، ووجوهٌ لم تعد في أماكنها. المدينة تعرفه، لكنها لا تتعرّف إليه.
منذ الصفحات الأولى، يضع البكر قارئه أمام اختبار الذاكرة. يصل إلى مطار دمشق بعد نحو سبعين يوماً على سقوط الحكم، ويتوقف لبرهة يتفحّص وجوه المستقبلين: صمتٌ كثيف، ملامح شاحبة، ووداعة مشوبة بندوب زمنٍ أسود. لا بهجة صاخبة، بل ما يشبه وداعاً طويلاً لمرحلة لا تزال آثارها عالقة في الوجوه. هكذا يبدأ الكتاب: بوعيٍ حادّ بأن العودة ليست قطيعة مع الماضي، بل مواجهة معه.
في تجواله، يبحث الكاتب عن صداقاته القديمة، ليكتشف أن الفقدان صار قاعدة: بعضهم مات، وبعضهم هاجر، وأحدهم فقد النطق. لا يستثمر هذه الوقائع كمادة عاطفية، بل يحوّلها إلى سؤال أخلاقي حول معنى البقاء ومعنى الغياب. يذهب بعيداً في نقد الذات، حين يكتب بوضوح أن "الثائر الحقيقي هو من بقي وناضل في الداخل"، حيث كان ثمن الكلمة يعادل قطع الرأس. بهذا الاعتراف، ينجو النص من تمجيد المنفى، ويضعه في موقعه الطبيعي: موقع الشهادة المؤلمة، لا البطولة المكتملة.
يحتلّ مقهى الروضة مكانة رمزية في الكتاب. لم يعد المقهى كما كان، بل صار ملتقى للعائدين بعد السقوط، مساحة اعترافٍ جماعيّ، يتقاطع فيها الماضي بالحاضر. هناك، يستحضر البكر أسماءً في الثقافة والشعر والفنّ والنضال، لا بوصفها لائحة وفاء، بل كعلامات على زمنٍ كان، وعلى خسارةٍ ثقافية طويلة راكمها القمع. دمشق، في هذا السرد، مدينة أُنهكت، ليس فقط بالحرب، بل بتآكل روحها الثقافية، وبالهبوط التدريجي الذي أصاب الإبداع منذ السبعينيات.
لا يكتفي الكتاب بسرد الذاكرة الشخصية، بل يوسّع عدسته ليرصد أحوال المقيمين والعائدين، المثقفين، النساء، العمران، والذوق العام. نقده للعمران قاسٍ وهادئ في آن: مدينة كان يمكن أن تكون واحدة من أجمل عواصم العالم العربي لو حُميت عمارتها وذاكرتها، تُركت فريسة للإهمال والتشوّه. ومع ذلك، لا يقع الكاتب في فخّ الرثاء النهائي. فهو، وإن كان غير آسفٍ على سقوط النظام السابق، ينظر إلى سوريا الجديدة بعين مَن يعرف سنن البلدان: التعافي يحتاج وقتاً، ولا يولد من الركام فوراً.
اللافت في "سوريا: رحلة إلى الزمن الضائع" هو لغته. فصولٌ تستهلّ بمطالع شعرية، وسردٌ شفيف يوازن بين الحنين ولوعته، وبين عينٍ نقدية لا تجامل. لا يتعامل البكر مع الذاكرة بوصفها مستودعاً ثابتاً، بل ككائنٍ متقلّب، يشيخ، ويتصرّف بمزاجية، ويترك صاحبه عائماً بين تفاصيل تتشبّث بالحواس وأخرى تتبخّر. حين يعجز عن تحديد بيتٍ في شارع العابد، لا يبرّر العجز، بل يجعله دلالة: الزمن مسح العلامات، والمدينة لم تتوقّف لتنتظر أبناءها.
بهذا المعنى، يكمل الكتاب ما بدأه البكر في سيرته الروائية "بلاد لا تشبه الأحلام"، لكنّه يبدو هنا أكثر التصاقاً بالراهن، وأقل ميلاً إلى الطمأنينة السردية. الوطن، في هذا النص، ليس صورة محفوظة، بل زمن متحرّك. ومن لا يقبل تغيّره، يخسر فرصة اللقاء الحقيقي معه. في الخلاصة، لا يعد هذا الكتاب بالخلاص، ولا يقدّم وصفة للشفاء. إنه شهادة صادقة على عودةٍ ناقصة، وعلى ذاكرةٍ انتصرت جزئياً وخذلت صاحبها في آن. كتابة تعرف أن الذاكرة تخون، ومع ذلك تُصرّ على الكتابة. لأنّ الكتابة هنا، وربما وحدها، هي الطريقة الوحيدة كي لا تطول الغربة أكثر. أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
سوريا محلي
ثقافة
ثقافة
ثقافة