الثقافة السورية تستعيد حضورها في معرض القاهرة للكتاب: نافذة لعودة الأدب وتعميق التعاون العربي


هذا الخبر بعنوان "الحضور السوري في معرض القاهرة للكتاب..إعادة وصل الثقافة مع محيطها العربي" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعدّ معرض القاهرة الدولي للكتاب محطة ثقافية محورية في العالم العربي، تجمع بين ثقل المعرفة والحضور الجماهيري الواسع. وفي دورته لهذا العام، تحمل المشاركة السورية دلالة خاصة، فهي تتجاوز مجرد الوجود المادي لتكون إعلاناً عن عودة الصوت الثقافي السوري إلى الساحة العربية بعد سنوات من التهميش والانقطاع. تؤكد هذه المشاركة أن هذا الصوت، رغم كل التحديات، لا يزال قادراً على الحوار والإسهام في المشهد الفكري والأدبي العربي. تكمن أهمية هذا الحضور في كونه نافذة لإعادة التعريف بالإنتاج الأدبي السوري المعاصر، وفرصة لإعادة وصل الكاتب السوري بالقارئ العربي، وخاصة القارئ المصري المعروف بإقباله على الأدب وتفاعله معه. كما تشكل هذه المشاركة منصة لتأكيد حيوية الثقافة السورية وقدرتها على المنافسة والحضور في الفضاء الثقافي المشترك.
في سياق هذا الحضور، تبرز مشاركة الكاتبة السورية ريما بالي عبر إصداراتها المتنوعة كأحد مظاهر المشاركة السورية الفاعلة. توضح بالي في حديثها لـ “الثورة السورية” أن مشاركتها ووجود كتبها في معرض بهذا الحجم يمثلان لها “قيمة رمزية وثقافية كبيرة”، معتبرة أن هذا الحضور يعني في جوهره “إثبات الوجود على الساحة الفكرية والأدبية العربية”. وتشير بالي إلى أن معظم رواياتها متاحة هذا العام عبر دور نشر عربية مختلفة تشارك في المعرض، ما يعكس، برأيها، انتشار الأدب السوري عربياً رغم الصعوبات. ومن بين إصداراتها المشاركة: رواية «ميلاجرو» عن الدار العربية للعلوم – ناشرون (لبنان)، رواية «غدي الأزرق» عن دار الآداب (لبنان)، رواية «خاتم سليمى» عن دار تنمية (مصر)، رواية «ناي في التخت الغربي» عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر (لبنان)، وروايتها الأحدث «لم نأكل التفاح» عن دار مسكيلياني، والمعروضة في جناح اتحاد الناشرين التونسيين.
وعند سؤالها عن مستقبل العلاقة الثقافية بين سوريا ومصر في مرحلة “سوريا الجديدة”، تؤكد بالي لـ “الثورة السورية” أن هذه العلاقة “تاريخية ومتشابكة، قائمة على التأثير المتبادل والتكامل”، لاسيما في المجال الأدبي. وتعرب عن أملها في أن يشهد الأدب السوري مرحلة نمو طبيعية تعيده إلى مكانته المؤثرة في المشهد العربي، وأن يعود مكملاً للثقافة المصرية كما كان في العقود الماضية. لكن بالي لا تتغاضى عن التحديات، فتتوقف عند التراجع الذي شهده قطاع النشر السوري في السنوات الماضية، حيث تعطلت الطباعة والتوزيع واضطر العديد من الأدباء للنشر خارج البلاد. في المقابل، تشير إلى الازدهار الذي تشهده الساحة المصرية من حيث عدد دور النشر والإصدارات. ولتطوير هذا التعاون، تقترح بالي إطلاق خطة ثقافية متكاملة تشمل معارض كتب ومهرجانات أدبية وورش عمل مشتركة بين المثقفين والناشرين من البلدين، ما قد يسهم في إنعاش حركة النشر السورية وتبادل الخبرات.
وحول تفاعل الجمهور المصري مع الإبداع السوري، تشير الكاتبة إلى أن اختراق السوق المصرية ليس أمراً سهلاً، “نظراً لكثرة الكتّاب المحليين وولاء القرّاء لهم”، إلا أنها تؤكد أن الأدب السوري استطاع ترسيخ مكانة له، أكاديمياً وشعبياً، مستشهدة بحصول كتاب سوريين على جوائز مرموقة مثل جائزة نجيب محفوظ، كما هو الحال مع الراحل خالد خليفة وخليل صويلح وسومر شحادة. وتستذكر بالي تجربتها الشخصية مع رواية «خاتم سليمى» الصادرة عن دار تنمية المصرية، والتي لاقت، على حد قولها، “استحساناً واسعاً لدى القرّاء المصريين”. وترى أن التميز في المعارض هو انعكاس للتميز في المشهد الأدبي العام، ما يعكس جودة المنجز السوري وقدرته على جذب القراء.
تتطلع ريما بالي إلى المستقبل بخطوتين بارزتين: الأولى تتمثل في معرض الكتاب السوري القادم، الذي تصفه لـ “الثورة السورية” بأنه “خطوة طال انتظارها وفرصة حلمت بها”، خاصة بعد أن كانت كتبها ممنوعة من العرض سابقاً في دمشق بتوجيهات من النظام المخلوع. وتعبر عن سعادتها بإمكانية وصول أعمالها إلى القارئ السوري مباشرة، معربة عن أملها في أن يُنظم المعرض “بمهنية تليق بتاريخ الثقافة السورية”. وتكشف أن روايتيها الأخيرتين ستكونان حاضرات فيه مع تنظيم حفل توقيع، وترى في المعرض “متنفساً حقيقياً للأدب السوري الذي عانى طويلاً”. الخطوة الثانية والأكثر جوهرية في حديثها تتعلق بشرط الازدهار الثقافي، فتُختم بالي حديثها لـ “الثورة السورية” بالتشديد على أن “ازدهار الأدب مرتبط ارتباطاً وثيقاً باتساع هامش الحرية”، معتبرة أن غياب الحريات “يؤدي إلى تعطّل الفكر وغياب الأدب الجيد”. وتوجّه رسالة مفادها أن “سوريا الجديدة مطالبة بالحفاظ على سقف عالٍ من الحريات، لأن لا حضارة ولا تقدم من دون فكر منفتح وأدب حيّ”.
في إطار الحضور السوري في معرض القاهرة الدولي للكتاب، تبرز مشاركة اتحاد الكتاب العرب كأحد التجسيدات المؤسسية لهذا الحضور، حيث تعرض الإصدارات السورية في أجنحة خاصة. ويتضمن البرنامج الثقافي محاضرة يلقيها رئيس الاتحاد الدكتور أحمد جاسم الحسين تحت عنوان: “مصر في عيون الكتاب السوريين”، يستعرض خلالها نماذج من كتابات المبدعين السوريين عن مصر والعلاقات الإبداعية المتبادلة. ويأتي ذلك في المعرض الذي يعد ثاني أكبر معارض الكتاب عالمياً ويستقطب أكثر من مليوني زائر سنوياً. هكذا، يتحول الحضور السوري في معرض القاهرة من كونه مشاركة عابرة إلى بيان ثقافي وإنساني، يؤكد أن الثقافة السورية، كشعبها، تخرج من محنتها بإصرار على استعادة دورها، حاملة معها تراثاً غنياً وتطلعاً إلى مستقبل يكرس الحرية والإبداع كأساس لأي نهضة حقيقية.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة