الدبلوماسية السورية المكثفة نحو موسكو: استراتيجية دمشق لإدارة المخاطر في ظل تحولات إقليمية


هذا الخبر بعنوان "تكثيف زيارات الشرع لموسكو: إدارة مخاطر أم إعادة ضبط توازنات؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يمكن تفسير الحراك الدبلوماسي السوري المكثف نحو موسكو على أنه تذبذب في الخيارات أو عودة إلى تحالفات سابقة، بل يجب قراءته في سياق إدارة مرحلة إقليمية مضطربة. تتقاطع في هذه المرحلة ثلاثة متغيرات كبرى: مستقبل الوجود الأميركي في سوريا، وكيفية التعامل مع مناطق قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، بالإضافة إلى احتمالات إعادة تشكّل التوازنات الإقليمية من إيران إلى العراق. منذ تولي أحمد الشرع رئاسة سوريا، اتضح الاتجاه السياسي العام نحو الانفتاح على واشنطن واستعادة موقع دمشق ضمن المسارات الدولية. إلا أن هذا الخيار، مهما بلغ من وضوح، لا يلغي حاجة الدولة إلى إدارة ملفات سيادية يصعب حسمها عبر قناة واحدة، ولا يمكن حلها بمنطق الشراكات السياسية فحسب، بل تتطلب توازنات أمنية وعسكرية مركبة. فالعلاقة مع موسكو لم تعد امتداداً لتحالف محسوم كما في السابق، بل هي علاقة قيد التأسيس وإعادة التموضع، تستلزم إدارة مباشرة ومكثفة لملفات تراكمت عبر سنوات من العداء والصدام غير المباشر. بناءً على ذلك، لا تبدو موسكو شريكاً بديلاً، بل قناة موازية لإدارة الفجوة بين الجانب السياسي والعسكري، وبين ما تتيحه الشراكات الدولية وما تفرضه الوقائع على الأرض، في لحظة انتقالية حساسة.
تأتي الزيارة الثانية لأحمد الشرع إلى موسكو، وفقاً لوصف صحيفة "فيدوموستي"، في ظل استمرار الأزمة بين دمشق والتشكيلات الكردية المسلحة في شمال شرق البلاد، وبالتزامن مع بدء انسحاب القوات الروسية من مطار القامشلي. هذا الانسحاب لا يعني خروجاً روسياً كاملاً من المشهد، بل يمثل إعادة تموضع نحو الساحل، حيث تتمركز القواعد الاستراتيجية ومراكز الثقل الفعلي. من هنا، تتصل حسابات دمشق بالدرجة الأولى بضبط انتقال المرحلة: إدارة نهاية نموذج "قسد"، وملء أي فراغ محتمل، ومنع إعادة تدوير الملف من خارج الدولة. وبناءً على ذلك، لا تتعامل دمشق مع موسكو كضامن ميداني، بل كطرف لا يمكن تجاوز حضوره السياسي والعسكري عند رسم ملامح مرحلة ما بعد "قسد"، حتى مع تراجع وجوده المباشر شرقاً. فحتى مع هذا التراجع، تبقى موسكو لاعباً لا يمكن تجاهله في أي تسوية شاملة أو إعادة ترتيب نهائية، بحكم ما تملكه من أدوات تأثير تتجاوز الجغرافيا المباشرة.
في الجنوب السوري، كشفت تقارير إسرائيلية عن رفض تل أبيب لأي نشر محتمل لقوات روسية، في مقابل حديث عن سعي دمشق إلى دور روسي هناك. هذا التناقض لا يعكس وجود اتفاق جاهز، بل يشي بتباين عميق في التصورات. من وجهة النظر السورية، قد يُستخدم أي وجود روسي محتمل كآلية ضبط أو كطرف ثالث يحدّ من الانفلات ويعيد ترسيم خطوط السيطرة في منطقة شديدة الحساسية. في المقابل، ترى إسرائيل أن وجوداً روسياً كهذا قد يقيّد هامش حركتها الجوية والعسكرية. النتيجة حتى الآن ليست اتفاقاً ولا مواجهة، بل ساحة تفاوض مفتوحة قد تؤدي فيها موسكو دور توازن محتمل.
تتزايد التقارير التي تتحدث عن احتمال انسحاب أو تقليص الوجود العسكري الأميركي في سوريا. وسواء تحقّق هذا السيناريو أو لا، فإن مجرد تداوله بجدية يكفي لتغيير حسابات دمشق. فانسحاب أميركي محتمل لا يعني فقط فراغاً أمنياً، بل مرحلة انتقالية غير مضمونة النتائج، تتأثر فيها ملفات الشرق والبادية والمجال الجوي معاً. في مثل هذا السياق، يصبح من المنطقي أن تفتح دمشق خطوطاً أوسع مع موسكو، لا لموازنة واشنطن، بل للتحوّط من إعادة توزيع أدوار قد تفرض نفسها ميدانياً قبل أن تُحسم سياسياً.
في العراق، عاد اسم نوري المالكي إلى الواجهة مع ترشيحه لرئاسة الحكومة مجدداً. هذا التطور أثار قلقاً واضحاً في واشنطن، حيث وضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عملياً فيتو سياسياً على هذا الاحتمال. هذا الموقف لا يعبّر فقط عن حسابات داخلية عراقية، بل يكشف عن تناقض في المصالح الإقليمية: واشنطن تسعى إلى عراق أقل التصاقاً بمحور إيران، فيما تعني عودة المالكي، إن حصلت، إعادة تنشيط نمط إقليمي قديم. من زاوية دمشق، تتجلى أهمية هذا التطور في أنه يوضح أن العراق لن يكون بالضرورة امتداداً طبيعياً لأي توازن إقليمي جديد، وأن الرهان على تشكّل محور متماسك بين بغداد ودمشق لم يعد مضموناً. هنا أيضاً تظهر موسكو كطرف قراءة وتقدير، لا كراعٍ لمحور، بل كقناة لفهم كيف ستُدار التناقضات بين المصالح الأميركية والعراقية والإيرانية، وكيف ستنعكس على سوريا.
الصحافة الروسية نفسها قدمت توصيفاً متحفظاً لهذا المسار. فقد أشارت صحيفة "غازيتا.رو" الإلكترونية إلى أن الزيارة تهدف إلى بحث العلاقات الثنائية والوضع في الشرق الأوسط، مع الإقرار بأن توقيتها يعكس رغبة موسكو في إعادة ضبط تموضعها العسكري والسياسي في سوريا بعد تراجع نفوذها النسبي. وفي السياق نفسه، لفت الخبير كيريل سيميونوف إلى أن الزيارة تعكس إحياء قنوات الشراكة في مجالات الأمن والثقافة والاقتصاد، من دون أن ترقى إلى اصطفاف استراتيجي جديد. وفي الخلفية، لا يمكن استبعاد أن يكون جزء من هذا الحوار مرتبطاً بإدارة "التركة الثقيلة" للعلاقة السابقة، بما فيها ملفات مالية وأمنية وشخصيات عالقة، وهي ملفات لا تُحلّ دفعة واحدة، ولا يمكن حسمها عبر قنوات دبلوماسية باردة. في المحصلة، تكثيف دمشق لخطوطها مع موسكو لا يعني تبديل الاتجاه، بل توسيع هامش المناورة. سوريا اليوم لا تبحث عن مظلة بديلة، بل عن تقليل كلفة الانتقال في مرحلة تتزامن فيها احتمالات الانسحاب الأميركي، وتفكك نموذج قسد، وضبابية المشهدين الإيراني والعراقي. في هذا السياق، تصبح موسكو أداة إدارة مخاطر، لا نقطة ارتكاز استراتيجية، وتغدو الحركة باتجاهها جزءاً من سياسة تعدد القنوات، لا نقيضاً للخيار الأميركي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة