قمة بوتين-الشرع: دفع العلاقات الروسية السورية من "نقطة ميتة" نحو آفاق واسعة وتأكيد على وحدة سوريا


هذا الخبر بعنوان "روسيا وسوريا والحركة من “نقطة ميتة” إلى آفاق غير محدودة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في سياق لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع رامي الشاعر، أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى النجاح في الارتقاء بمستوى التعاون الاقتصادي بين موسكو ودمشق من "نقطة ميتة" إلى تقدم ملحوظ. من جانبه، أكد الشرع على الدور الكبير الذي تلعبه روسيا في استقرار الوضع بسوريا والمنطقة، معربًا عن شكره للرئيس بوتين على جهوده في هذا الصدد.
وشدد بوتين على عمق العلاقات الروسية السورية، التي تعود جذورها إلى اتفاقية إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد السوفيتي وسوريا عام 1944، مؤكدًا أن هذه العلاقات لم تشهد أي فصول مظلمة على مر السنين. وأضاف أن العلاقات تتطور بفضل جهود الرئيس السوري الشرع، الذي أشار إلى أن عدد الزيارات المتبادلة بين البلدين على مختلف المستويات بلغ 13 زيارة خلال العام الماضي وحده.
كما صرح بوتين بأن روسيا تتابع جهود الشرع لاستعادة وحدة الأراضي السورية، وهنأ نظيره السوري على عملية استعادة وحدة الأراضي التي تكتسب زخمًا. وأكد الشرع بدوره أن سوريا تجاوزت خلال العام الماضي مراحل وعقبات، كان آخرها تحدي توحيد الأراضي السورية.
وكان الشرع قد أكد في مناسبات سابقة على ترسيخ قواعد عامة في سوريا، نالت مباركة الدول الإقليمية والكبرى، تتمثل في وحدة الأراضي السورية وحصر السلاح بيد الدولة. واعتبر هذه البنود متفقًا عليها محليًا وإقليميًا ودوليًا وغير قابلة للمساومة، واصفًا المطالبين بتقسيم البلاد بأنهم "جهلاء سياسيًا وحالمون"، ومؤكدًا أن المجتمع السوري "غير قابل للتقسيم، ويرفض الفكرة بالأساس"، وأن "عوامل وظروف التقسيم في سوريا غير متوافرة لدى أي طرف".
وتابع الشرع مؤكدًا "لا توجد مخاطر تقسيم حقيقية، وإنما هناك رغبات لدى البعض في محاولات لإنشاء كانتونات محلية داخلية، لكنه أمر مستحيل أن يحدث، منطقيًا وسياسيًا وعرفيًا وعقليًا". وشدد على أن تغيير الخرائط يمثل خطرًا كبيرًا يصعب تنفيذه، مستشهدًا بتجربة السودان. كما أكد أن معركة توحيد البلاد بعد سنوات من الحرب "يجب ألا تكون بالدماء وبالقوة العسكرية".
وفي سياق متصل، لا تخفي إسرائيل رغبتها في دعم أقليات عرقية ودينية بالمنطقة لتعزيز نماذج "الحكم الذاتي"، بهدف منع عودة نظام حكم مركزي قوي قادر على ضمان وحدة وسيادة الدول على أراضيها، وهو ما يصب مباشرة في مصلحة شرذمة المنطقة وإعادة رسم الخرائط وفقًا للمصالح الإسرائيلية.
لكن الجهود التي بذلتها الحكومة السورية لإنهاء ظاهرة تواجد مواقع عسكرية لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، والتي أسفرت عن اتفاق انسحاب "قسد" نحو شرق الفرات والرقة وتسليم تلك الأحياء لسيادة الدولة السورية بعد سنوات من العزلة والتوترات المسلحة، وفتح طريق "الكاستيلو" وتهدئة الوضع ميدانيًا، تمثل تحولًا هامًا في مسار الدولة السورية الجديدة وبسط سيطرتها على حلب وغرب الفرات بالكامل، تمهيدًا لدمج الهياكل العسكرية والمدنية لـ "قسد" في الدولة السورية الجديدة. وتفيد التقارير باتفاق بين الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي على نشر قوات الأمن الداخلي في الحسكة والقامشلي، فيما سينضم المقاتلون الأكراد إلى القوات الحكومية بعد وقف إطلاق النار.
إن اللقاء بين بوتين والشرع هو لقاء العمل الثاني، ويهدف إلى تقييم الوضع الراهن للتعاون الثنائي بين البلدين في شتى المجالات والقطاعات، ووضع اللمسات الأخيرة للبدء في خطوات التنفيذ العملي على الأرض. ومن المتوقع أن تدفع الثقة والمصداقية المتبادلة بين القيادتين الروسية والسورية اليوم نحو رفع وتيرة التعاون وتطوير العلاقات الثنائية بما يحقق المنفعة المتبادلة للطرفين.
لذلك، تبدو التقارير التي تتحدث عن "صدع" في العلاقات الروسية السورية كمحاولات عبثية للاستخفاف بالإنجازات التي توصلت إليها إدارة الشرع، والبناء عليها لإعادة إعمار وتقوية كافة المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية للشعب السوري الأبي القادر على تجاوز كل الصعوبات والتحديات بمساعدة الأصدقاء في روسيا وغيرها من الدول الصديقة.
ويعكس اللقاء الموسع وحجم ومستوى المشاركة الرفيعة فيه ما تعنيه سوريا بالنسبة لروسيا، حيث حضر اللقاء وزير الخارجية سيرغي لافروف، ووزير الدفاع أندريه بيلاوسوف، ومساعد الرئيس يوري أوشاكوف، ونائب رئيس ديوان الرئاسة مكسيم أوريشكين، ونائب وزير الدفاع يونس بك يفكوروف، ورئيس مديرية الاستخبارات الرئيسية لهيئة الأركان العامة إيغور كوستيوكوف، ووزير البناء إيريك فايزولين، ووزير المالية أنطون سيلوانوف، ومدير الهيئة الفيدرالية للتعاون العسكري التقني دميتري شوغاييف.
كما تعمل الهيئات والمؤسسات الروسية والسورية بنشاط منذ الزيارة الأخيرة للشرع، حيث زار وفد كبير من مختلف الوزارات الروسية سوريا، في إطار خطط لأنشطة في قطاعات الصناعة والرياضة والطب والبناء. وفي هذا الصدد، قال الرئيس بوتين: "أعلن أن هناك الكثير مما يجب إعادة إعماره في سوريا، وخبراؤنا في شتى المجالات، بمن فيهم العاملون في قطاع البناء، على أتم الاستعداد لهذا العمل المشترك".
وكان الشرع قد التقى بوتين في أكتوبر 2025، بينما أعربت موسكو مرارًا وتكرارًا عن استعدادها للمساعدة في تعافي سوريا من الأزمة ودعمها لوحدة البلاد وسلامة أراضيها وسيادتها. وفي المقابل، تعهد الشرع بالالتزام بجميع الاتفاقيات الروسية السورية القائمة، لا سيما فيما يتعلق بالحفاظ على الوجود العسكري الروسي في قاعدة طرطوس البحرية وقاعدة حميميم الجوية بالقرب من اللاذقية على ساحل البحر الأبيض المتوسط.
وتعليقًا على قضية الوجود الروسي، صرح متحدث الكرملين دميتري بيسكوف، يوم أمس الأربعاء 28 يناير، بأن قضايا وجود القوات الروسية لا شك ستثار خلال محادثات الرئيسين. لا سيما عقب إجلاء القوات الروسية من المطار قرب القامشلي في محافظة الحسكة إلى قاعدة حميميم الجوية، حيث كانت تلك القوات تستخدم مطار القامشلي في مهام حفظ السلام خلال فترة حكم الأسد.
وكان الشرع قد زار واشنطن في نوفمبر 2025، التقى فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واتفقا على التعاون لمكافحة تنظيم "الدولة الإسلامية"، وخففت الولايات المتحدة بعض العقوبات المفروضة على سوريا. وفي 27 يناير، عشية زيارة الشرع إلى موسكو، أفاد ترامب بأنه أجرى "محادثة رائعة" مع الرئيس السوري عبر الهاتف.
تتميز روسيا في الشرق الأوسط بعلاقاتها مع جميع الأطراف، وبخبرتها المستمدة ليس فقط من وجودها على الأرض في المنطقة منذ عقود، وإنما أيضًا بسبب مساهمة روسيا وقبلها الاتحاد السوفيتي في تدريب مئات الكوادر في شتى المجالات. ناهيك عن أن كثيرًا من الأنظمة التي تعمل في سوريا بمعظم القطاعات الحيوية هي صناعة سوفيتية/روسية. لذلك، فإن القضايا التي تناولها الجانبان الروسي والسوري تسعى لاستئناف ذات الزخم الذي لطالما ميز العلاقات بين البلدين، وإزالة العوائق أمام صادرات المواد الغذائية الروسية إلى سوريا والتعاون في مجال الطاقة، مع إمكانية مشاركة الشركات الروسية في العمل على الأراضي التي تمكنت الحكومة المركزية من بسط السيطرة عليها.
أعتقد أن آفاق التعاون بين روسيا وسوريا، لا سيما في ظل دعم خليجي للقيادة السورية الجديدة بزعامة الشرع، مفتوحة ومن الممكن التوصل إلى صفقات مفيدة للجانبين، سنرى ثمارها على الأرجح في الأشهر المقبلة.
سوريا محلي
سياسة
سوريا محلي
سياسة