معايير الاختيار في سوريا الجديدة: هل تتغلب المحسوبية على الكفاءة والولاء للوطن؟


هذا الخبر بعنوان "قراءة في معايير الاختيار في الدولة السورية الجديدة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يتناول الكاتب علي الباشا مفهوم التبعية والمحسوبية في الدولة السورية الجديدة، مسلطًا الضوء على التعيينات الأخيرة في عدد من السفارات السورية الحساسة. يرى الباشا أن هذه التعيينات لا تمثل خللًا إداريًا عابرًا، بل هي جزء بنيوي متأصل في العقلية السورية العميقة، التي تجاوز فيها التغول حدود السلطة الطبيعية. ويصف هذا الأمر بأنه موروث سرطاني من الحقبة السياسية السابقة، يبدو أن الإدارة الجديدة لم تتمكن من التخلص منه، على الرغم من جهودها الداخلية والخارجية وإدارتها الحازمة والموضوعية للتحديات التي تواجه سوريا.
يؤكد الكاتب أن هذا التوصيف لا ينتقص من قدر صناع القرار في الحكومة السورية الجديدة، ولا يعبر عن عدم ثقة أو إضعاف لتوازن السلطة. بل ينبع من حرص شديد على إعادة صياغة هذه الظاهرة لتتوافق مع تطلعات الشعب السوري، الذي لا يمكن وصف معاناته أو نقل أوجاعه بالتحليلات. فالشعب الذي عانى من الانتهاكات والإذلالات لعقود، وتعايش مع الحرب والهلاك والجوع والتهجير، لم يعد يخشى الموت. بل بات يهمه كل تفصيل في عملية البناء والتعافي، حتى لو كان صغيرًا، فالمادة التي لا تقوي البناء، وإن كانت موثوقة، لن تصلح، وصاحب الدار هو من يقرر ما دامت هناك خيارات أخرى.
ويشير الباشا إلى أن منظور التعيينات الجديدة، سواء الداخلية أو الخارجية، يخضع بشكل مطلق للمحسوبية والولاء، ولا يعتمد على مفهوم الكفاءات. ففكرة “تدوير الماضي” ليست مستحدثة، وما كان يطبق قبل عام 2011 هو نفسه ما يطبق الآن بصورة مختلفة. وعلى الرغم من أن البعض قد يرى أن الكفاءة أُخذت بالحسبان، فإن هذا صحيح شكلاً لكنه مجزوء مضمونًا، والواقع يثبت وجود من هم أكفأ وأجدر وأكثر وطنية، وسوريا تزخر بأمثال هؤلاء.
ويرى الكاتب أن هذه الاختيارات، التي لم ترتقِ إلى مستوى التطلعات الحقيقية، ليست سوى نوع من المكافآت الفردية لشخصيات معينة استطاعت التمدد في فترة ما، وهي بلا شك دون المستوى والأحقية. ومع ذلك، أقنع نفسه بأن هذا الأسلوب لا يعد إقصاءً مجتمعيًا أو معيارًا للكفاءة الشاملة، وإلا فإن البلاد ستكون أمام كارثة وطنية.
بالسياق ذاته، يحذر الباشا من أننا أمام كابوس ينطوي على مخاوف جسيمة ومآلات غير حميدة، إذا كان الشرط الأساسي للتعيينات في أي منصب مؤثر، داخليًا أو خارجيًا، هو الولاء الضيق بما يحمله من موقف أيديولوجي، أو خدمة وظيفية في فترة الاصطفافات، أو بتزكية شخصية أو عائلية. وقد حصل ذلك في التعيينات الدبلوماسية الأخيرة، حيث يتناسب الحظوة مع عدد المعارف في الحلقة الضيقة.
ويوضح الكاتب أن مفهوم الولاء للسلطة يختلف تمامًا عن مفهوم الولاء للوطن. وعلى الرغم من أن البعض قد يلومه بأن هذا يحدث حتى في الدول العظمى، وأن بناء أي دولة يتطلب شكلاً من أشكال الولاء، إلا أنه يتناول الأمر من زاوية حرصه الوطني على النهوض بسوريا بالطريقة المثلى، لتكون دولة قانون لا دولة شبكات ونفوذ امتدادًا للذاكرة السلطوية.
لقد أطاحت الثورة في كانون الأول 2024 بالنظام السابق الذي تغوّل في الفساد والمحسوبية، وفككت منظومة “لا محسوبية ولا مصلحية ولا تبعية”، أي منظومة الولاء المتنفذ والمنافع والاصطفاف والحماية والانتقائية والإقصائية والروابط الزبائنية بالكامل. ومع ذلك، يلاحظ المواطنون، بعين الحريص على مصلحة الوطن، أن المشهد الحالي يكشف عن نوع جديد من هذه التبعية، ليست تقليدية بل مقلدة، بمعايير ظنية ومختلفة، تفتح باب التأويل والتحليل لا الاتهام والمحاكمة.
فعلى الرغم من أن الثورة شكلت نقطة تحول حادة في حياة السوريين، إلا أن المعايير الحالية لانتقاء المسؤولين في الداخل والخارج تبدو أكثر حصرية مما كانت عليه في العهد السابق. وقد اقتصر التغيير على الأدوات والدوائر والتسميات ربما، وهو ما يترجم صعود نمط جديد من الشخصيات “كوكلاء مضمونين بالطاعة” لا بالكفاءة أو الوطنية.
ختامًا، يدعو الكاتب إلى عدم الاستسلام للمثل الشعبي “لا يصلح العطار ما أفسده الدهر”، مؤكدًا أن الفساد في سوريا كان موروثًا تراكميًا بنيويًا ووظيفيًا وسلوكيًا. ويجب على “العطار” مجازًا أن يغير المسار، لا أن يراكم القواعد القديمة، وأقلها أن تكون هذه القواعد معلنة ليدرك الجمهور طبيعة المرحلة، فالفجوة بين الخطاب والواقع كبيرة.
ويطرح الباشا سؤالاً بخصوص التعيينات الاستحقاقية، ومنها الدبلوماسية: هل هذا النمط يخدم التنمية المستدامة للدولة والمجتمع؟ وهل يضمن الإصلاح المؤسسي أم هو نوع من “إدارة الندرة” بالعقلية المتراكمة؟ ويترك السؤال برسم الإجابة من الجميع، إن لم يكن الجميع متقبلاً.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة