سوريا بين أمل الأمطار وتحدي الجفاف: خبراء يقيّمون الموسم المطري وتداعيات التغير المناخي


هذا الخبر بعنوان "قراءة أولية للموسم المطري.. هل تجاوزت سوريا أزمة الجفاف؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت عدة محافظات سورية، خاصة في الشمال والوسط والمنطقة الساحلية، هطولات مطرية غزيرة مؤخرًا، أنهت فترة طويلة من الانحباس المطري، وترافقت مع تساقط الثلوج على أقصى الشمال وبعض المرتفعات الجبلية. هذه الهطولات أعادت الحياة إلى الأودية والينابيع، ورفعت منسوب التفاؤل لدى المزارعين، لكن هذا التفاؤل لا يخلو من حذر، في ظل تساؤلات مشروعة حول قدرة هذه الأمطار على إنقاذ الموسم الزراعي وتعويض سنوات الجفاف والاستنزاف المائي.
أوضح شادي جاويش، رئيس مركز التنبؤ المركزي في المديرية العامة للأرصاد الجوية التابعة لوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية، لعنب بلدي، أن بداية الموسم المطري الحالي كانت ضعيفة نسبيًا خلال فصل الخريف في معظم المناطق. وكان من المتوقع تأخر الهطولات حتى بداية فصل الشتاء، مع وصول كتل ماطرة إلى منطقة بلاد الشام خلال كانون الثاني الماضي.
وتوزعت النسب المئوية لكميات الهطول حتى الآن، بحسب جاويش، على النحو التالي: المنطقة الجنوبية 60-65%، المنطقة الساحلية والوسطى 55-60%، المنطقة الشمالية 45-50%، والمنطقة الشرقية والجزيرة 35-45% من المعدل العام للهطولات.
وبيّن جاويش أن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) تُعرّف الجفاف بأنه نقص في المياه ناتج عن قلة هطول الأمطار لفترة طويلة. وأشار إلى وجود أنواع أخرى من الجفاف، مثل الجفاف الهيدرولوجي المرتبط بنقص المياه في مصادرها كالأنهار والبحيرات والمياه الجوفية، والذي يحدث عندما تستمر فترات الجفاف المناخي طويلًا. بالإضافة إلى الجفاف الزراعي، الذي ينجم عن كمية مياه متاحة للنباتات أقل من حاجتها للنمو.
وفيما يتعلق بتعويض مواسم الجفاف بموسم مطري جيد، ذكر جاويش أن ذلك يعتمد على عدة عوامل، منها: مدة الجفاف (فالجفاف طويل الأمد يحتاج وقتًا أطول للتعويض)، نوع التربة (قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه)، البنية التحتية (وجود السدود والخزانات لتخزين المياه)، والاحتياجات الزراعية (كمية المياه المطلوبة للمحاصيل وتوزيع الأمطار).
واعتبر جاويش أن الموسم المطري الجيد يمكن أن يخفف من آثار الجفاف، لكنه قد لا يعوّض بالكامل العجز السابق، مؤكدًا أن الأمر متشعب ويتطلب دراسة إضافية من قبل وزارتي “الموارد المائية” و”الزراعة”. ومع ذلك، يرى رئيس مركز التنبؤ المركزي أن الأمور “مبشرة” حتى نهاية الشتاء على الأقل فيما يخص الهطولات المطرية والثلجية.
تراجعت حصة الفرد من المياه المتجددة في سوريا من نحو 1700 متر مكعب سنويًا عام 2003 إلى أقل من 700 متر مكعب حاليًا، وفقًا لمعطيات البنك الدولي. ويُعد خط الندرة المائية عند أقل من 1000 متر مكعب للفرد سنويًا، مما يضع البلاد ضمن خانة الندرة المائية المطلقة. هذا الواقع يفتح نقاشًا ضروريًا حول كيفية الاستفادة القصوى من كل قطرة ماء في ظل تدهور الوضع المائي وتغيرات مناخية متسارعة.
من جانبه، قال الدكتور معن دانيال داود، المحاضر في المعهد العالي للتخطيط الإقليمي وخبير إدارة الموارد المائية والطبيعية، لعنب بلدي، إن الهطولات المطرية تأخرت في كافة المناطق حتى الأيام الأخيرة من شهر كانون الأول، مما أنذر بتكرار كارثي للموسم المطري الاستثنائي للعام الهيدرولوجي 2024-2025، الذي كان الأكثر جفافًا منذ بدء التسجيل المناخي في منطقة شرق البحر المتوسط. ولفت داود إلى تأخر عام للهطول لا يقل عن شهرين ونصف عن بداية موسم الأمطار المعتاد حتى في السنوات الجافة.
وأوضح داود أن الأمطار والهطولات كانت عاصفة ومتقطعة، وبعد موسم حرائق صعب في المناطق الجبلية وجفاف مديد في السهول الداخلية، نتج عنها جريانات سطحية فيضانية لحظية. هذه الجريانات أظهرت مدى تأثر سوريا ومناطقها المناخية المختلفة بمفرزات تغيرات المناخ العالمي والإقليمي. وأضاف أن سوريا، كدولة وإقليم جغرافي، مرت بسلسلة موجات جفاف عميقة تؤكد أن التغير المناخي العالمي يلقي بمخرجاته من خلال تبدلات جذرية واسعة في مواعيد الهطولات وشداتها وتتالي سلاسلها، وعلى مكونات توزع أجزاء الدورة الهيدرولوجية من جريانات سطحية أو تغذية للمياه الجوفية.
وأشار خبير الموارد المائية إلى أن الأهم في الوضع السوري أمور أخرى تتعلق بتأثيرات نشاطات المجتمع البشري وأخطائه المتزايدة على حدوث ظواهر معينة، ويخص من تلك النشاطات منحَيَين رئيسين:
ووفقًا لداود، تنامى التراكم الكمي والنوعي لاستنزاف المجتمعات البشرية للمورد الطبيعي الرئيس الحاد لنشاطهم، وهو المورد المائي، باعتباره معوقًا بل ومانعًا لأي نشاط عقلاني لاحق حال وجود عجز في تأمينه، وذلك منذ أواسط ثمانينيات القرن العشرين. هذا التراكم تحول تدريجيًا من جفاف هيدرولوجي (يرتبط أساسًا بتغيرات مناخية فوق وطنية، لكن قاعدته الأساس سوء تخطيط واستخدام مستنزِف للموارد المائية المتاحة، سطحية أم جوفية) إلى جفاف اقتصادي ممتد لأعوام.
وأضاف داود أن هذا الأمر عمّق تدهور الأحواض المائية السطحية الفرعية وجفّف حوامل وخزانات مائية جوفية رئيسة، مثل ينابيع الخابور وقسم كبير من مناطق جنوبي سوريا. وذكر أن لهذا آثارًا كثيرة برزت في خروج أراضٍ تزايدت مساحاتها باستمرار من الاستثمار الزراعي النباتي المروي، وفي ارتفاع مطّرد لتكاليف تأمين وإتاحة مورد المياه متزايد الندرة.
هذا الجفاف الاقتصادي تحول في مناطق الجزيرة السورية وأرياف حلب والمناطق المحيطة بالبادية السورية إلى جفاف اجتماعي تعمّق على فترات، وفق الخبير، ليتسبب في:
كان ذلك في خلفية انفجار الأزمة البنيوية الوطنية متعددة الأطياف بشكل ثورة ضد نظام استغلال غولي متعدد الرؤوس، بحسب الخبير المائي، وهو الآن أيضًا أحد أسباب التشظي العميق للمجتمعات المحلية وفقدان الهوية الوطنية الجامعة.
وتابع داود أنه لا يمكن من خلال بوادر موسم مطري لم ينتهِ بعد إلا القول، بشكل أولي وغير جازم، إن الواردات المطرية الجيدة نسبيًا يمكن لها تحسين الوضع المائي والبيئي العام جزئيًا، لكن التحسن بمجمله مرتبط بكيفية تعامل المجتمع البشري لاحقًا مع موارده الطبيعية النادرة بشكل عقلاني. ويرى داود أن هذا الكلام ليس تعبيرًا عن تشاؤم، بل هو دعوة للفعل العاقل القائم على العلم أولًا، وعلى استخدام أفضل الممارسات المجتمعية الرشيدة للموارد المتاحة، والتي برزت في تاريخنا الجمعي من خلال القول المأثور: “لا تُسرف ولو كنت على نهر جارٍ”.
وتبرز في هذا المجال أدوات وآليات علمية مجتمعية متخصصة لتحقيق ذلك، بحسب داود، لكنها محصورة أولًا بالمخططين والمديرين الوطنيين لعمليات تخصيص وإدارة واستثمار الموارد، ليكون نتاجها نظامًا مستدامًا أكثر كفاءة اجتماعيًا واقتصاديًا وحقوقيًا ليس فقط على المستوى الوطني بل وحتى على مستوى الأفراد والجماعات. ويتحتم على أولئك (بصفتهم عاملين في الشأن العام، موظفين حكوميين، باحثي مراكز البحث العلمي متعددي الاختصاصات، وناشطين مجتمعيين) إيفاء العملية التخطيطية أسسها ومحددات استخدام مواردها بشكل تشاركي معلن وواضح، لتكون مانعة لأي تخطيط بعجز في تأمين الطلب على المورد المائي ودون أي استثناء. ولفت داود إلى أن هذا يجب أن يكون في كل الأحواض المائية ولكامل القطاعات الإنتاجية الاقتصادية المتعلقة بنشاطات المجتمع البشري تنموية أو خدمية أو لأغراض الإصحاح البيئي. وينعكس هذا لاحقًا وتدريجيًا من سنة لأخرى في انخفاض تكاليف إنتاج الغذاء مكانيًا ووطنيًا، وفي الحد من استنزاف الموارد المائية وصولًا إلى إعادة توازن أحواضها الصغرى وأعالي مساقطها المائية أولًا، إضافة إلى تحسين الغطاء الأرضي النباتي طبيعيًا أم مستزرعًا بشكل حثيث مع انعكاسات ذلك على صحة المجتمعات الحية فيه.
العالم يدخل عصر “الإفلاس المائي”
أظهر تقرير أطلقته جامعة الأمم المتحدة قبل أيام أن العالم دخل عصر “الإفلاس المائي العالمي”، إذ لم تعد أنظمة المياه قادرة على العودة إلى مستوياتها السابقة. وأوضح التقرير أن مصطلحي “الإجهاد المائي” و”أزمة المياه” لم يعودا كافيين لوصف واقع المياه الجديد في العالم، فقد تجاوزت العديد من الأنهار والبحيرات والخزانات الجوفية والأراضي الرطبة والأنهار الجليدية نقاط التحوّل، ولا يمكنها العودة إلى مستوياتها السابقة، مما يعني أن مصطلح الأزمة المؤقتة لم يعد دقيقًا في العديد من المناطق.
وكشف رئيس مركز التنبؤ المركزي في المديرية العامة للأرصاد الجوية، شادي جاويش، لعنب بلدي، أن توقعات الشتاء في سوريا لا تزال تشير إلى استمرار الحالات الجوية حتى شهر آذار المقبل، متوقعًا أن تضعف الفعالية في شهر شباط خاصة بالثلثين الثاني والثالث منه، على أن تعود خلال آذار.
عودة الجريان إلى نهر رأس النبع بمدينة بانياس التابعة لمحافظة طرطوس بعد جفافه الموسم الماضي – 1 شباط 2026 (عنب بلدي/شعبان شاميه)
اقتصاد
سوريا محلي
اقتصاد
اقتصاد