درعا: انخفاض مفاجئ في سعر الحليب يفاقم أزمة مربي المواشي وسط ارتفاع قياسي لتكاليف الأعلاف


هذا الخبر بعنوان "درعا.. انخفاض مفاجئ في سعر الحليب مقابل غلاء الأعلاف" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد محافظة درعا، جنوبي سوريا، تراجعًا مفاجئًا في أسعار الحليب، مما ألحق خسائر مالية جسيمة بمربي المواشي. يأتي هذا التراجع في ظل استمرار ارتفاع أسعار الأعلاف، وتفاقم ندرة التبن وغلاء سعره بشكل غير مسبوق. وقد اضطر المربون في السنوات الماضية إلى بيع جزء من مواشيهم أو تقليص أعدادها لتجنب الخسائر الناجمة عن ارتفاع تكاليف الأعلاف ومواجهة ظروف الجفاف. ومن اللافت أن أسعار مشتقات الحليب، كالألبان والأجبان، لم تتأثر بهذا الانخفاض، بل حافظت على مستوياتها السعرية.
في سياق هذا الهبوط غير المتوقع، أعرب شادي الخطيب، وهو مربي ماشية من ريف درعا الغربي يمتلك ثلاثة رؤوس من الأبقار، عن دهشته، إذ كان يتوقع ارتفاعًا في أسعار الحليب لا انخفاضًا. وقد بلغ سعر الكيلوغرام الواحد من حليب الأبقار 4500 ليرة سورية (ما يعادل 0.38 دولار أمريكي تقريبًا) مطلع كانون الثاني الماضي، بعد أن كان 5500 ليرة سورية (نحو 0.47 دولار). وصرح شادي لـ"عنب بلدي" بأنه بات عاجزًا عن توفير الأعلاف والتبن، حيث وصل سعر كيلوغرام العلف إلى 5000 ليرة سورية (نحو 0.42 دولار)، وسعر كيلوغرام التبن إلى 4000 ليرة سورية (نحو 0.34 دولار). ويؤكد شادي أن سعر الحليب يجب أن يتخطى 6000 ليرة سورية (نحو 0.51 دولار) ليغطي تكاليف الأعلاف والتبن، مبديًا نيته بيع بقرتين إذا استمر هذا الانخفاض. وقد اضطر شادي لخفض كمية العلف اليومية لكل بقرة من ثمانية كيلوغرامات إلى خمسة كيلوغرامات بسبب تراجع سعر الحليب.
بدوره، اضطر محمد الحشيش إلى بيع بقرته الوحيدة بعد أن نفدت كمية التبن المخزنة لديه، وعجزه عن شرائه خلال موسم الحصاد. وأوضح محمد لـ"عنب بلدي" أن معادلة الربح والخسارة باتت هي المحرك الرئيسي لمصير المربين، حيث زاد انخفاض أسعار الحليب من خسائره، ولم يعد قادرًا على تغطية تكاليف الأعلاف والتبن من إيرادات بيع الحليب.
من جانبه، أشار قاسم كيوان، وهو تاجر حبوب في ريف درعا الغربي، في تصريح لـ"عنب بلدي"، إلى أن سعر العلف مرتبط بتقلبات سعر الدولار، بينما يتم تسعير الحليب بالليرة السورية ويخضع لقانون العرض والطلب. ولفت كيوان إلى أن انخفاض سعر الحليب في هذا التوقيت من العام يعد أمرًا نادر الحدوث. وقد بلغ سعر صرف الدولار الواحد في السوق السوداء 11700 ليرة سورية. وأفاد قاسم بأن بعض المربين بدأوا في تقليص مشترياتهم من الأعلاف، وهو ما انعكس سلبًا على حجم مبيعاته.
وفي تحذير من خطورة تقليل الأعلاف، نبه الطبيب البيطري إياد ذيب إلى أن نقص كميات الأعلاف، خاصة في فصل الشتاء، يؤثر سلبًا على المواشي التي تحتاج إلى الطاقة من الشعير والذرة والنخالة. وأكد ذيب على أهمية توفير نسب متوازنة من الأعلاف للحفاظ على صحة الأبقار ومستوى إنتاجها من الحليب. وذكر الطبيب البيطري لـ"عنب بلدي" أن إنتاج الحليب يتراجع عادة خلال "مربعانية" الشتاء، ومن غير المعتاد أن ينخفض سعره في هذه الفترة. وقدر ذيب حاجة البقرة الواحدة إلى عشرة كيلوغرامات من الأعلاف يوميًا، محذرًا من أن أي نقص في هذه الكمية قد يؤدي إلى تدهور صحة الأبقار وهزالها، بالإضافة إلى تأثيره على كميات الإنتاج.
وأشار الطبيب ذيب إلى أن المربين كانوا يعانون من الخسائر حتى قبل هبوط سعر الحليب الأخير، مما دفع بعضهم إلى تقليص عدد أبقارهم والاكتفاء ببقرة واحدة لتأمين احتياجات المنزل من الحليب ومشتقاته. ودعا ذيب الحكومة السورية والمنظمات الدولية إلى تقديم الدعم للمربين عبر توزيع الأعلاف بأسعار مدعومة للحفاظ على الثروة الحيوانية. ووفقًا لإحصائيات صادرة عن دائرة الصحة الحيوانية في درعا، يبلغ عدد قطيع الأبقار 43,264 رأسًا، والأغنام 779,139 رأسًا، والماعز 119,054 رأسًا.
على الرغم من التحديات، استبشر مربو المواشي في درعا بموسم وافر من "العليقة الخضراء" (نباتات موسمية تتغذى عليها المواشي) بفضل هطول كميات كبيرة من الأمطار. وقد أثر ذلك إيجابًا على توفر المراعي ووفرتها، مما يساهم في تخفيف استهلاك الأعلاف والتبن. وأوضح شادي الخطيب أنه يعتمد حاليًا على محصول البرسيم لتقليل تكاليف الأعلاف، لكنه أشار إلى أن كميات الحليب المنتجة مرتبطة بكميات العلف اليومية المقدمة للأبقار، مما أدى إلى تراجع إنتاجه من الحليب. وفي سياق متصل، نشرت مديرية زراعة درعا عبر صفحتها على "فيسبوك" أحدث تقديرات هطول الأمطار حتى 12 كانون الثاني الماضي، مبينة أن كمية الهطول في المنخفض الجوي الأخير بلغت 24.2 ملم، ليصل إجمالي كميات الأمطار لهذا الموسم إلى 157.4 ملم، مقارنة بـ67.1 ملم في الفترة ذاتها من الموسم الماضي. ويأمل المربون في درعا أن تغنيهم وفرة المراعي عن شراء التبن، الذي شهد ارتفاعًا ملحوظًا هذا العام بسبب الجفاف الذي أثر على موسم القمح الشتوي الماضي، حيث بلغ سعر كيلوغرام التبن في السوق المحلية 4000 ليرة سورية، بعد أن كان لا يتجاوز 1000 ليرة سورية في المواسم السابقة.
على الرغم من تراجع سعر الحليب الخام، لا تزال أسعار مشتقات الألبان مستقرة، حيث بلغ سعر كيلوغرام الجبن البلدية 45 ألف ليرة سورية (نحو 3.8 دولار)، وهو سعر ثابت منذ أكثر من ستة أشهر. كما وصل سعر كيلوغرام اللبن المصفى إلى 35 ألف ليرة سورية (نحو ثلاثة دولارات)، وكيلوغرام اللبن الخاثر إلى 11 ألف ليرة سورية (أقل من دولار واحد). وأوضح محمد الحشيش أن انخفاض الأسعار يقع على عاتق المربي، الذي يمثل الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج، ويتحكم به التاجر الذي يشتري الحليب مباشرة. وأكد أن هذا الانخفاض لم يؤثر على منشآت صناعة الألبان والأجبان التي حافظت على أسعار منتجاتها. ويتخوف المربون من انخفاض إضافي في سعر الحليب مع بدء موسم إنتاج حليب الأغنام في شهر آذار من كل عام، والذي يدخل في صناعة الأجبان والألبان، مما يقلل الطلب على حليب الأبقار. وذكر شادي الخطيب لـ"عنب بلدي" أن انخفاض سعر حليب الأبقار متوقع عادة في آذار بسبب وفرة المراعي وزيادة إنتاج حليب الأغنام، لكن حدوثه في هذه الفترة، التي يقل فيها إنتاج الحليب بسبب برودة الطقس، أمر غير متوقع، مما ينذر بانخفاض آخر بعد دخول حليب الأغنام إلى السوق المحلية.
يُذكر أن قطاع تربية المواشي في الجنوب السوري بدأ بالتعافي التدريجي بعد عام 2018، إلا أنه سرعان ما واجه تحديات كبيرة تمثلت في ارتفاع أسعار مكونات التربية وتكاليف الإنتاج. كما أدى ارتفاع أسعار اللحوم إلى ذبح إناث المواشي، بما في ذلك الأبقار، مما أثر سلبًا على حجم القطيع. ويُخشى أن يؤدي استمرار انخفاض أسعار الحليب إلى إحجام المربين عن تربية الأبقار، الأمر الذي قد يهدد بتقليص أعداد القطيع بشكل أكبر.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي