أطلق أكاديميون ومثقفون من مدينة السويداء مبادرة مجتمعية جديدة أطلقوا عليها اسم «التيار الثالث»، واصفين إياها بخارطة طريق شاملة تهدف إلى حماية المجتمع المحلي ومنع انزلاقه نحو الفوضى. وتتضمن المبادرة إنشاء «هيئة الإنقاذ المدني في السويداء»، وهي هيئة مدنية تنبثق من المجتمع وتعمل لصالحه، وفقًا لما صرح به القائمون عليها.
أصدر القائمون على المبادرة بيانًا موجهًا إلى أهالي السويداء، نُشر على معرفاتهم الرسمية مساء الأحد الأول من شباط. وأوضح البيان أن «التيار» جاء استجابة لواقع الاستعصاء الذي تشهده محافظة السويداء، مما دفعهم إلى رفع صوتهم بـ«جرأة وشفافية»، انطلاقًا من مسؤوليتهم الأخلاقية والتاريخية تجاه حماية المجتمع وضمان استقراره وكرامته وأمانه.
وأشارت المبادرة إلى أن «هيئة الإنقاذ المدني في السويداء» ستكون إطارًا مدنيًا وطنيًا، غير حزبي وغير مسلح، ينشأ كمبادرة مجتمعية لمعالجة القضايا الإنسانية والمجتمعية العاجلة، دون ادعاء التمثيل أو الوصاية على أحد. ويأتي هذا في ظل مرحلة حرجة تمر بها المحافظة، تتسم بالمجازر والتهجير والتهميش، وفي ظل انسداد سياسي وخطاب مركزي يتجاهل معاناة أهلها. وأكد البيان: «نحن لا ندّعي تمثيل أحد، ولا نزعم امتلاك الحقيقة المطلقة، لكن هذه الوثيقة تقدم خطوات عملية تحول الواقع الراهن إلى مسار مدني وطني يحمي المجتمع ويصون كرامته ويؤمن استقراره».
أهداف «هيئة الإنقاذ المدني»
حدد البيان الأهداف الرئيسة لـ«هيئة الإنقاذ المدني» في عدة نقاط أساسية:
- أولًا: إدانة المجازر والمطالبة بالمحاسبة وجبر الضرر: تعتبر الهيئة الانتهاكات بحق المدنيين في السويداء جرائم أخلاقية وسياسية جسيمة لا يمكن تبريرها أو تجاوزها بالصمت أو النسيان. وتؤكد أن المسؤولية فردية، ولا حصانة لأي شخص أو جهة متورطة. وتطالب بمسار محاسبة علني ومستقل وغير مسيس، مصحوبًا بجبر الضرر وتعويض المتضررين ماديًا ومعنويًا دون تأجيل، معتبرة أن المحاسبة ليست انتقامًا، بل شرط أساسي للاستقرار ومنع تكرار الجرائم.
- ثانيًا: تحميل السلطة مسؤولية أحداث تموز الدامية: تقع مسؤولية حماية المدنيين على عاتق الدولة بالدرجة الأولى، بغض النظر عن تعقيدات الواقع أو محاولات الصدام المحلية. ويؤكد البيان أن تحميل السلطة المسؤولية لا يعني تبرئة أي طرف آخر، بل الإقرار بأن غياب الحماية أو سوء إدارة الملف أو التأخر في التدخل ساهم في تفاقم المأساة، مشيرًا إلى أن أي استقرار مستقبلي يتطلب تحملًا واضحًا للمسؤولية ومراجعة جدية للأداء.
- ثالثًا: السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا الموحدة، واعتماد اللامركزية الإدارية التوافقية: ينطلق البيان من موقف وطني صريح يؤكد انتماء السويداء الكامل للدولة السورية، ويستند إلى تاريخ أهلها الذي يجسد النضال الوطني المشترك، بما في ذلك إرث الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش. ويهدف هذا الموقف إلى قطع الطريق على أي مشاريع تقسيم أو عزل أو توظيف خارجي لمعاناة المحافظة، مع التأكيد أن المطالب المحلية العادلة لا تتعارض مع وحدة البلاد وسيادتها.
- رابعًا: عودة الأهالي إلى قراهم، الإفراج عن المختطفين، وتعويض المتضررين: تعتبر الهيئة عودة الأهالي إلى قراهم بأمان وكرامة أولوية عاجلة، إلى جانب الإفراج الفوري وغير المشروط عن المختطفين المدنيين، ووضع آلية واضحة وشفافة لتعويض المتضررين ماديًا ومعنويًا، مع ضمانات عملية تمنع تكرار الانتهاكات، مؤكدة أنه لا يمكن الحديث عن استقرار أو سلم أهلي في ظل وجود مهجرين أو مختطفين.
- خامسًا: حماية الطلاب وضمان الحق في التعليم: يُعد التعليم حقًا أساسيًا لا يجوز التفريط به أو ربطه بالظروف الأمنية. وتطالب الهيئة بحماية الطلاب الجامعيين وضمان وصولهم الآمن إلى جامعاتهم، وتعويض الفاقد التعليمي الناتج عن الأحداث، وتقديم الدعم النفسي والأكاديمي للمتضررين، مع الاعتراف الكامل بشهادة الثانوية لعام 2025 دون أي انتقاص.
- سادسًا: تحييد السويداء عن المحاور الإقليمية وضمان العيش الكريم: تؤكد الهيئة ضرورة تحييد السويداء عن أي صراعات أو اصطفافات إقليمية تهدف إلى تقسيم سوريا أو استخدام معاناة أهلها كورقة ضغط. ويشكل ضمان الأمن والخدمات الأساسية وفرص العيش الكريم أولوية قصوى، ويُعد تحييد السلاح عن الخلافات الداخلية خطًا أحمر لا يجوز تجاوزه.
- سابعًا: الحوار والتعاون المدني أساس العمل المجتمعي: ترى الهيئة أن غياب الحوار هو أحد أبرز أسباب تفاقم الانقسام والفوضى، وتؤمن بأن الحوار والتعاون المدني، القائمين على الاحترام المتبادل ورفض التخوين، هما السبيل الوحيد لبناء الثقة، ومعالجة الخلافات، وتحويل المجتمع من حالة الخوف ورد الفعل إلى الفعل المنظم والمسؤول.
مبادئ «الهيئة» والرؤية العامة
حدد البيان المبادئ الأساسية لـ«هيئة الإنقاذ المدني في السويداء» كالتالي:
- حماية المدنيين أولوية مطلقة وغير قابلة للمساومة.
- العدالة والمحاسبة شرط للاستقرار، وليست أداة للانتقام.
- رفض العنف والتسليح في إدارة الخلافات الداخلية.
- الالتزام بالهوية الوطنية السورية، مع احترام التعددية والاختلاف السياسي.
أما بنود الرؤية العامة وآليات العمل، فقد حددت بما يلي:
- تحويل الخوف والجمود إلى مسار حوار وحلول عملية.
- إعادة الأهالي إلى بيوتهم بأمان وضمان حقوقهم الأساسية.
- منع تكرار الانتهاكات عبر آليات مدنية واضحة.
- التوثيق: جمع وتوثيق الأضرار والانتهاكات وفق معايير مهنية وشفافة.
- التعويض: وضع آلية واضحة دون تأجيل.
- التعاون مع الدولة: شراكة فعلية لإدارة الشأن المحلي، مع الاعتراف بما حصل، والالتزام بعودة الأهالي وفتح مسار محاسبة شفاف.
واختتم البيان بالقول: «هذه مبادرة مفتوحة للتطوير والنقاش، وليست إعلان سلطة أو مشروع حكم. ندعو جميع أبناء السويداء والمعنيين بالاستقرار إلى مناقشتها والمشاركة في تحويلها إلى مسار عملي يحمي المجتمع ويخدمه».
الموقعون على البيان: وائل شجاع، كنان مسعود، هادي منذر، فادي الأطرش، مهند شهاب الدين، علاء أبو العز، جميل الجباعي، سومر صيموعة، تمام اللحام، طارق عدوان، أسامة الحلبي، عدنان أبو العز، منصور خزعل، سعيد الغضبان، يارا جعفر، فارس أبو فخر، بسام عزي، تركي العنداري، جادالله حسون، أماني أبو دقة، وكندا المعاز.
مقارنة مع «خارطة طريق السويداء» المدعومة دوليًا
أعادت بنود وأهداف «التيار الثالث» إلى الواجهة «خارطة طريق لحل الأزمة في محافظة السويداء»، التي أطلقت ببيان ثلاثي سوري أمريكي أردني، في 16 من أيلول 2025. وبحسب البيان الصادر عن وزارة الخارجية السورية حينها، اعتمد المجتمعون خارطة طريق تؤكد أن السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا، وأن أبناءها مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، مشيرين إلى أن إنهاء فجوة الثقة بين الحكومة والسكان يتطلب خطوات متدرجة لإعادة بناء الثقة وإعادة دمج المحافظة بالكامل في مؤسسات الدولة.
مثلت تلك الخارطة محاولة من الحكومة لاستعادة زمام الأمور برضا أهالي محافظة السويداء، وتجاوز ما حصل خلال الفترة الماضية، لا سيما الاشتباكات وموجات الفلتان الأمني، التي خلّفت خسائر بشرية ومادية ومعنوية كبيرة. ونصّت خارطة الطريق على جملة من الإجراءات العاجلة، من أبرزها:
- دعوة الحكومة السورية لجنة التحقيق الدولية المستقلة للتحقيق في الأحداث التي شهدتها السويداء ومحاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات وفق القانون السوري.
- استمرار إدخال المساعدات الإنسانية والطبية إلى المحافظة بالتعاون مع الأمم المتحدة، وضمان عودة الخدمات الأساسية بدعم من الأردن والولايات المتحدة.
- نشر قوات شرطية مؤهلة على طريق السويداء- دمشق لتأمين حركة المواطنين والتجارة، وسحب المقاتلين المدنيين من حدود المحافظة واستبدالهم بقوات نظامية.
- دعم جهود «الصليب الأحمر» للإفراج عن جميع المحتجزين والمخطوفين واستكمال عمليات التبادل.
- دعوة الأردن بالتنسيق مع الحكومة السورية وفدًا من المجتمعات المحلية في السويداء (الدروز والمسيحيون والسنة)، ووفدًا آخر من ممثلي العشائر البدوية في محافظة السويداء لاجتماعات للمساعدة في تحقيق المصالحة.
- إعلان خطط لإعادة إعمار القرى والممتلكات المتضررة، مع مساعدة أردنية وأمريكية لتأمين التمويل اللازم.
- تعزيز «سردية وطنية» تقوم على الوحدة والمساواة، وتجريم خطاب الكراهية والطائفية عبر تشريعات جديدة، بدعم قانوني من واشنطن وعمّان.
يذكر أن هذه «خارطة طريق» المدعومة دوليًا قوبلت بالرفض محليًا في السويداء.