الدولة بين الفرد والمؤسسة: لماذا تنهار سلطة الأشخاص وتصمد شرعية الدساتير؟


هذا الخبر بعنوان "فلسفة السقوط.. حين يبتلع “الفرد” مفهوم “الدولة”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم خالد المطلق
في تاريخ السياسة والحضارات، تبرز حقيقة ثابتة مفادها أن الدولة كائن ينمو ويزدهر بالمؤسسات، بينما يذبل ويموت بالأشخاص. إن السلطة التي تُبنى حول الأفراد لا حول المؤسسات، وحول الأقوال لا الأفعال، وحول الرمز والمشهدية لا حول الشرعية الحقيقية، قد تستقر لفترة من الزمن بفعل القوة أو الدعاية، لكنها تظل سلطة "مؤقتة" وهشة. وفي نهاية المطاف، يجد أصحابها أنفسهم عراة تمامًا أمام محكمة التاريخ الصارمة.
يكمن الفرق الجوهري بين نظام "الفرد" ونظام "المؤسسة" في مفهوم الاستمرارية والقدرة على التنبؤ. ففي نظام الفرد، الذي يمكن وصفه بـ"سلطة الظل"، تتحول الدولة إلى "عقار" شخصي، وتُفصّل القوانين على مقاس الحاكم، وتنبع القرارات من مزاجه الشخصي أو من دائرة ضيقة من المحيطين به. هنا، لا تكون المؤسسات سوى "ديكورات" وظيفية هدفها تجميل القبح أو شرعنة الرغبات الشخصية. ويكمن الخطر في أن سقوط الفرد يعني بالضرورة انهيار الهيكل بالكامل؛ لأن الدولة لم تُبنَ لتعيش دونه.
أما في نظام المؤسسة، الذي يُعرف بـ"سلطة العقد"، فإن السلطة تُعد "وظيفة" لا "هبة". فالمؤسسة تعني القواعد والشفافية وتداول السلطة. وفي هذا النظام، تكون الدولة قوية لأنها لا تتأثر برحيل الأشخاص؛ فالماكينة تعمل وفق قوانين ثابتة، وتُستمد الشرعية من الإنجاز والرضا الشعبي، لا من صورة الحاكم أو خطاباته.
تلجأ الأنظمة الفردية دومًا إلى "المشهدية" لتعويض غياب الشرعية الحقيقية. فعندما تعجز السلطة عن تقديم "الفعل" الحقيقي، مثل التنمية والعدالة والحرية، فإنها تفرط في تقديم "القول" و"الرمز"، وهو ما يُسمى بلاغة السراب. هنا، يتحول الحاكم إلى "رمز مقدس" لا يخطئ، وتصبح الاحتفالات والقصور والتماثيل هي الدليل الوحيد المدعى على العظمة، ويحل "الخطاب العاطفي" محل "الخطة الاستراتيجية". لكن المشكلة في المشهدية أنها كالمخدر تحتاج إلى جرعات أكبر دائمًا لضمان المفعول. وفي اللحظة التي يواجه فيها النظام أزمة حقيقية، سواء كانت اقتصادية أو عسكرية، تتبخر الرموز وتظهر الدولة في حالتها البدائية، مجرد أجهزة قمعية بلا روح وبلا ظهير شعبي.
بالعودة إلى تاريخ سقوط الأقنعة في الدول التي تُعتبر معملًا كبيرًا أثبت فشل الرهان فيها على الأفراد، نجد أمثلة واضحة. لننظر إلى نموذج لويس الرابع عشر في فرنسا، الذي لخص فلسفة الفردية بقوله "أنا الدولة"، وجعل من قصر فرساي مسرحًا عالميًا لمشهدية الحكم. لكنه عندما مات، ترك فرنسا غارقة في الديون ومؤسساتها مشلولة، مما مهد الطريق لثورة أكلت الأخضر واليابس؛ لأن "الدولة-الفرد" لم تترك مكانًا لـ"الدولة-المؤسسة".
أما نيكولا تشاوشيسكو في رومانيا، فقد بنى "قصر الشعب" الذي يُعد من أضخم مباني العالم، وكانت صورته تملأ الأفق كقائد عبقري. إلا أنه في عام 1989، وخلال خطابه في حشد "مؤيد"، تحولت الهتافات في لحظة واحدة إلى صيحات استهجان، وفي غضون أيام وجد نفسه وحيدًا بلا جيش يحميه ولا مؤسسات تدافع عنه، وانتهى به الأمر أمام مفرزة إعدام ليثبت أن "المشهد" كان مجرد وهم.
وشاه إيران، الذي أقام عام 1971 "احتفالية ألفية فارس" الأسطورية ليثبت أنه وريث قوروش العظيم تجسيدًا للرمزية القصوى، بينما كان ينفق الملايين على المشهد، كانت شرعيته تتآكل في أزقة طهران. وعندما قامت الثورة، غادر بـ"حفنة من تراب"، ولم تشفع له كل تلك المشهدية في البقاء يومًا واحدًا إضافيًا.
أما النموذج الماثل أمامنا اليوم فهو حافظ الأسد، الذي حول الدولة والشعب السوري إلى مزرعة يقودها بالبسطار العسكري. صوره كانت تملأ الجدران، وفرض نفسه القائد الأوحد الذي يجب أن يسبح باسمه الجميع، حتى أسماء الصروح الوطنية الثقافية والعلمية والتاريخية أطلق عليها اسمه أو اسم أحد أفراد عائلته، مثل مكتبة "الأسد" ومستشفى "الأسد" ومعاهد "الأسد لتحفيظ القرآن" ومستشفى "الباسل" ومضمار "الباسل". كما ابتدع شعارات لتأليه نفسه، حيث كان يردد الجميع بعد ترديد الشعار الحزبي أو أي اجتماع عسكري أو مدني "قائدنا إلى الأبد الأمين حافظ الأسد"، ناهيك بإحكام قبضته على مفاصل الدولة ومؤسساتها والتحكم فيها بيد من حديد. لكن هذا كله لم ينفعه بعد أن سلّم الحكم لابنه المعتوه الذي كان سببًا رئيسًا في سقوط حكم آل الأسد إلى الأبد، في مشهد سيسجله التاريخ كنموذج لحكم الفرد الدكتاتوري الذي يتلاشى بسرعة البرق.
في المقابل، نجد نموذج جورج واشنطن الذي رفض "تأليه الفرد" بوضعه أسس المؤسسة وتخليه عن السلطة طواعية، وهو ما خلق دولة استمرت مئات السنين. فواشنطن لم يترك "صورًا" بل ترك "دستورًا"، لذا لم يقف يومًا عاريًا أمام التاريخ، بل مكرمًا كبنّاء.
ختامًا، إن السلطة التي تفتقر للشرعية المؤسساتية هي سلطة "عارية"، وإن لبست تيجان العالم، لأنها تعيش في حالة خوف دائم من "الحقيقة". لذا تحيط نفسها بالأسوار والدعاية. لكن التاريخ يخبرنا أن لحظة الحقيقة آتية لا محالة. فإما أن تترك خلفك مؤسسات تحمي وطنك واسمك، وإما أن تترك خلفك رمادًا وذكرى لنظام ظن أن الخطابات تبني دولًا وأن القمع يصنع ولاء. وفي نهاية المطاف، يرحل الأشخاص وتصمت الأقوال وتتحطم التماثيل، ولا يبقى واقفًا إلا ما بُني على أساس المؤسسة والعدل والشرعية الحقيقية. أما البقية فمصيرهم "عراء التاريخ".
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة