«بدنا نروق» لهيفا وهبي: صرخة هدوء تكشف ضحالة الخطاب الفني والسياسي


هذا الخبر بعنوان "دليل الردح المجاني: «بدنا نروق» يا هيفا!" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يتساءل بول مخلوف، للوهلة الأولى، عما إذا كانت هيفا وهبي قد وجدت الترياق المناسب لزمننا المضطرب الذي فقد أعصابه. فصرختها الافتتاحية المشحونة بـ«لا» الناهية، توحي للمستمع بأنه أمام خطاب «قطعيّ» يواجه عاصفة هوجاء بثقة في القدرة على السيطرة عليها. هذه المرة، تأتي «لا» وهبي بنبرة جازمة، على عكس ما اعتاده المستمع منها، فقد عرفها بـ«الآه» لا بـ«اللا»، وبالغنج لا بالصرامة، وبالتشويق لا بالهدوء. الصرخة هذه المرة خالية من الإثارة، ولا تشبه صرخاتها السابقة التي كانت أقرب إلى الهمس والأنّة والتأوّه. هل هو أثر العمر؟ هل هي تداعيات الشهرة؟ أم أن الإجهاد بالنمائم استنزف «طاقتها»؟
في أغنيتها الجديدة «بدنا نروق»، توجه هيفا رسالة «للحسّاد» الثرثارين. تدعو إلى التهدئة، أو بالأدق، تأمر بالهدوء دون أن تستثني نفسها: «بدنا نروق، على بعض نروق»، تقول. في الجوهر، هي دعوة إلى الهدوء والتروي، لكنها تصدر من صوت مشدود، مرتبك بعض الشيء، وعاجز عن إخفاء غضبه. كأنها تفرض على الآخرين السكينة نيابة عنها، وكأنه هدوءٌ بالوكالة حتى لو أدرجت نفسها في صيغة الجمع «بدنا نروق». من الواضح أن هيفا تطالب بالخفض لا بالتصعيد، فهي لا تريد إحداث جلبة ولا المشاركة في الضجيج. تكتفي بتذكيرهم/هن من علوِّها: «أنا مش عم جرب إطلع، أنا أصلاً فوق».
لكن شيئاً ما متزعزع وغير ثابت هنا رغم هذا العلوّ المعلن. لا نعلم ما الذي حدث تحديداً، ولا نعرف اقتصاد الثرثرة أو سيمياء القيل والقال، غير أن الواضح أن من تقف في الأعلى تبدو مستهجنة ومهزوزة. لا هي قادرة على التعبير، ولا قادرة على رسم المشهد، ومع ذلك، لا تملك سوى التكرار وتتمسك بلازمة واحدة: «بدنا نروق، بدنا نهدى شوي». يلوح الأبوكاليبس في الأفق، ويهرع الفنّ المعاصر إلى ابتداع معجمه الخاص من قبيل «طوارئ جمالية» و«فن ما بعد الكارثة»، والمطربة التي تنعم بذكاء حاد بحسب وصف «النقّاد» لها، لا ترى حاجة إلى كل هذا التعقيد، بل تقترح التعامل مع الخراب على طريقة العلاج بالأعشاب: «بدنا نروق، بدنا نهدى شوي».
ما هو الخراب الذي حلّ على هيفا؟ هناك من تناولها بالسوء. «الديفا» تدرك الأمر لكنها تتعالى عليه، تتصرف وكأنها فوقه، غير آبهة بالألسنة الثرثارة ولا بالأعين المتربصة بها: «مسموح الحكي بالقفا/ بس الحكي عم بزيد/ يلي بيسمعكم/ بفكر إنه يعني في بحياتكم شي مفيد». أمام هذه الفاجعة، تفضح هيفا، التي تزدري من ليس لديهم شيء مفيد في حياتهم، عن رغبتها بالصمت: «مش جايي عبالي إحكي/ وإحكي عن حالي»، لكن الصمت لا يصمد طويلاً لأن الحكي، للأسف، «عم يزيد». لذلك، وحين تبيّن أن التهدئة وحدها لا تؤدي الغرض، لجأت إلى تذكيرهم بماهيتها، وبالفارق بينها وبينهم: «أنا دهب/ إنتو فراطة/ أنا كاش إنتو بلاش/ أنا واغيو/ إنتو بطاطا».
الضجيج الذي تحاول صاحبة الأغنية التغلب عليه، والثرثرة التي تتبرم منها، يطفوان في كلمات «بدنا نروق» بفيض فارغ، ويعيدان إنتاج ما تزعم الأغنية أنها جاءت لإخماده. مع ذلك، حصدت «بدنا نروق» نحو 19 مليون مستمع على يوتيوب في أقلّ من شهر، وترفق على الانستغرام بعبارة «الأغنية التي ستعلق في رأسك»، وقد علقت، بالفعل، في الآذان كالصمغ. لسببٍ ما اجتاحت «بدنا نروق» الفضاءات العامة والخاصة، إلى حدّ أنها تحوّلت عند البعض إلى مانيفستو سياسيّ، فيما تسللت إلى البرلمان النيابيّ وغدت حديث السلطة. كل ذلك بفضل عبارة «شعبية» واحدة نرددها جميعاً في الأوقات الساخنة: «بدنا نروق».
أما الشطر الأخير: «أنا واغيو/ إنتو بطاطا» فهو مثال مكثّف لا عن طبقية هيفا، ولا عن كونها نموذجاً فجّاً عن الكيتش الرأسمالي (واغيو هو اللحم الياباني الفاخر الباهظ الثمن)، ولا اعترافاً بأنها ظاهرة انبثقت من مسلخ واغيو العرب، «روتانا»، بل عن ضحالة لغوية نادرة، قلّما يعثر على ما يضاهيها في عالم الترفيه والأداء لا الفن. نحن أمام أغنية تطلب صاحبتها الهدوء من دون أن تكون هادئة، وأمام خطاب لا يعدو كونه ضحلاً لغويّاً من دون أن يحول ذلك دون ذيوعه. تؤكد هذه المفارقة، مرة جديدة، أن هيفا وفقاً «للحس العام»، أقوى من اللغة.
ليس مستغرباً أن تعبّر هيفا في أحد مقاطع أغنيتها عن رغبتها في الصمت «مش جايي عبالي إحكي». ذاك أن معجم «الديفا» لا يتجاوز «الواوا» و«الأح» و«البح». هذا وإن ارتأت أن «تحكي عن حالها»، سنكون إزاء تعبير طفولي ينتج النفور، والإحراج، وفي بعض الأحيان اليأس من فرط التفاهة. وهو سلوك التصق بهيفا طويلاً بل تحوّل إلى «بيرسونا» خاص بها، زينتهُ أضواء الكاميرات، وبهرجة المايك آب، وضحكة بلاستيكية مصطنعة، تتقهقه على أكثر الأقوال ركاكة، لو سمعها المستمع من دون أن يرى مطلقتها لتوقّع فتاة في عمر المراهقة.
لقد شاء المتظاهرون والمحتجون في بيروت أن يستمدوا شعاراتهم ويختزلوا مواقفهم السياسية من هذه الضحالة اللغوية تحديداً. اجتمع الغاضبون في الساحات، ورفعوا لافتاتٍ كتب عليها «بدنا نروق». وبالمثل، حلّت «بدنا نروق» مكان المطرقة التي تلجم الإيقاع في قاعة مجلس النواب، وكان كلما احتد النقاش بين نائبين صاح نائب ثالث وقال: «بدنا نروق، بدنا نهدى شوي». هكذا، لم تعد «بدنا نروق» عبارة تداولية شائعة إنّما أضحت «مقولة» لها مرجعها: هيفا، وكأننا أمام ابتكار شيكسبيريّ أو إضافة لغوية من طراز مساهمات دانتي للإيطالية. والحال، فإنّ تمسّك المتظاهرين الغاضبين من الساسة بالمقولة «الهيفاوية»، وتمسّك الساسة بدورهم بها، إن دلّ على شيء، فعلى الخواء العام والعارم الذي نعيشه. في هذه اللحظات تحديداً، لا ينكشف واحد من أوجه «الخراب» الذي نعيشه، أزمة الخطاب، بل يتكشف موت السياسة نفسها.
داخل هذا الضجيج الذي يزعم أنه كلام هادئ يفضل الصمت على الثرثرة والتجريح، تجد السياسة اللبنانية مرادفاً لضحالتها السحيقة في «بدنا نروق». حين تستدعى «بدنا نروق» هذه لتؤدي وظيفة سياسية، فذلك دليل على فراغ السياسة من أي مضمون لغوي خاص بها. عندما يستعان بـ«بدنا نروق» «الهيفاوية» كممارسة سياسية، لهو توكيد أن السياسة في لبنان جثة هامدة، تعجز أفروديت نفسها عن إنعاشها وجعل قلبها يخفق.
ولو أخذنا بجدّية الدعوة من «بدنا نروق» وحاولنا زجّها في السياق السياسي، لخلصنا أننا أمام تبنيج وتخدير وليس أمام تحريض أو، ما عاذ الله، تثوير. على أن هذا الهدوء المنشود هو ما سماه أدورنو بـ«المصالحة الزائفة»، أي تحويل المعاناة إلى ترفيه، وإعادة تدوير الغضب للتأقلم معه عوضاً عن الاعتراض عليه. بعيداً عن كون الأغنية، في أصلها، أغنية موقع وامتياز، يطفو عليها تفاخر طبقيّ مقيت، فهي لا تقول شيئاً، ولا تفعل غير الاستعراض. وبدعوتها هذه، تفرغ طاقة من صدّقها في اتجاه غير مجدٍ، ضمن مسار صوتيّ ناشز عن كل مقامٍ.
اعتادت هيفا على ضخ الانفعال، والآن تدعو إلى كبحه. هل هو العمر، أم وفرة فنانات الكيتش الجدد؟ غريب. في «بدنا نروق» هناك شخص واحد يتكلم، يخاطب، يغني (؟). وفي كلماتها، تفضّل الانغلاق على الذات عوضاً عن المصارحة واعتماد الشفافية. تدخل الأنا في «بدنا نروق» أحياناً في صيغة الجمع، فتكون «واحدة من»، ولكن سرعان ما تتنصل منهم/هن وتعيد التذكير بأنها «فوق، فوق، فوق». تعمل الأنا في آلية تمويه خبيثة؛ تشرك نفسها في لعبة التهدئة فتنقلب على «هدنتها» وتفصح عن موقعها الهرميّ «أنا فوق». ومن موقعها الهرميّ هذا، لا تكفّ عن تعداد سماتها: «أنا كاش، أنا دهب، أنا واغيو». هكذا، تغدو الأنا على الضد من الجماعة، كأننا أمام ذعر نرجسي يستيقظ لحظة شعورها بتهديد الجماعة لها، فيما تكتفي هذه الأنا بالإفصاح عن نفسها، من دون أن تخبرنا شيئاً عن الآخر. تمثّل هيفا عرضاً صريحاً لنرجسية متضخمة ومتورّمة. ذاتٌ لا تواجه الآخر، بل تطلب منه أن يخفّف حضوره كي لا يزعج «علوّها» الهشّ. ذاتٌ لا تني تخبرنا عن موقعها، وقيمتها الثمينة، وكأن أغنيتها تفريغ لمونولوغ تحدثها إياه مرآتها حين تنظر، وهبي، إليها.
ما الحلّ أمامنا غير إجبار أنفسنا على اعتناق الهدوء؟ لا حلّ سوى اللجوء إلى المهدئات العصبية، رغم انقطاع الكزاناكس من الأسواق. وجب علينا أن «نروق». فهذا الضجيج والثرثرة الصاخبة هراء لا يحتمل. «بدنا نروق»، ليس حباً بالسكينة بل خوفٌ من الصلع؛ قبل أن يتساقط ما تبقى من شعرنا من فرط حك الرؤوس، بفعل هذه الظواهر التي جعلت الوجود يشبه عبارة غابريال مارسيل «جيب هوائي فارغ».
ثقافة
ثقافة
ثقافة
منوعات