إيران تضع شروطها على طاولة المفاوضات النووية: فصل الملفات خط أحمر أمام واشنطن


هذا الخبر بعنوان "عودة المسار التفاوضي | إيران لأميركا: لا تراجع عن فصل الملفّات" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل استمرار الحشود العسكرية الأميركية في منطقة الخليج، تعود القضية النووية الإيرانية لتتصدر المشهد الدولي من جديد. يأتي هذا التطور بالتزامن مع عودة الرغبة المتبادلة في استئناف المفاوضات، بهدف ضبط حدود الصراع ووضع أسس لتفاهمات جديدة. وفي هذا السياق، تتمسك طهران بمبدأ تفاوضي راسخ يقوم على الفصل الصارم والقطعي بين الملفات. ترفض القيادة الإيرانية بحزم مقاربة «السلة الواحدة» التي تسعى من خلالها القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى دمج ملفات لا تقل حساسية عن البرنامج النووي، مثل منظومة الصواريخ الباليستية أو النفوذ الإقليمي، ضمن جدول المفاوضات. يستند هذا الموقف إلى تقديرات أمنية استراتيجية ترى في دمج الملفات فخاً لاستنزاف أوراق القوة الإيرانية دون ضمانات حقيقية لمكاسب موازية أو مستدامة.
من منظور صانع القرار في طهران، يُعد البرنامج الصاروخي وشبكة التحالفات الإقليمية «أدوات ردع سيادية» غير قابلة للنقاش. لذلك، تصر طهران على حصر أي مسار تفاوضي محتمل في الإطار «التقني النووي» الصرف، الخاضع لإشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مغلقةً بذلك الباب أمام أي محاولات لتوسيع مائدة التفاوض لتشمل عناصر القوة التقليدية التي تعتبرها صمام أمان لاستقرارها الاستراتيجي.
على صعيد آخر، ورغم الأضرار المادية الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية جراء الضربات العسكرية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية في صيف 2025، أدهشت إيران المراقبين بقدرتها اللافتة على إعادة التأهيل والترميم السريعين، خاصة في المنشآت الإدارية والبحثية الحيوية في نطنز وأصفهان وأماكن أخرى تعرضت لهجمات قاسية. حمل هذا الأداء رسالة ضمنية مفادها أن طهران، التي لم تكن تسعى لامتلاك «القنبلة»، تتطلع اليوم إلى تثبيت «العتبة النووية» كأمر واقع لا يمكن التراجع عنه.
تبرز قضية مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% كواحدة من أكثر الأوراق حساسية في البازار التفاوضي. فالوصول إلى هذه «العتبة» يعني امتلاك القدرة التقنية والمعرفية التي تجعل إنتاج السلاح النووي مجرد قرار سياسي سيادي يمكن تنفيذه في زمن قياسي. وهذا بدوره يعني إفراغ أي ضربة عسكرية مستقبلية من جدواها الاستراتيجية، إذ إن تدمير الجدران والمنشآت لا يقضي على المعرفة المتراكمة أو الكفاءات البشرية المحصنة. هنا، نجحت طهران في تحويل قدرتها النووية إلى «قوة كامنة» تمنحها تفوقاً تفاوضياً، وتفرض على الخصوم التعامل مع واقع تقني لم تعد لغة الصواريخ قادرة على شطبه من المعادلة.
في صلب الطروحات التفاوضية الأكثر جدية، يبرز سيناريو تقني يعكس رغبة المفاوض الإيراني في الجمع بين تثبيت «الحق النووي» واحتواء الهواجس الدولية. يقوم هذا السيناريو على مبدأ إقرار «مهلة فنية ممتدة» لعدة سنوات، لا يُحظر فيها التخصيب كلياً بل يُنظم ضمن حدود رمزية وضوابط دقيقة. ووفق هذا التصور، تحتفظ إيران بعدد محدود من أجهزة الطرد المركزي ومستويات تخصيب منخفضة، وبكميات لا تتجاوز الاحتياجات البحثية، بما يكفي لتأكيد حقها السيادي في امتلاك دورة الوقود النووي، دون تراكم مخزون يثير الريبة. الهدف هنا هو تثبيت المبدأ وليس التوسع في الإنتاج، بما يعطل الذرائع الغربية الرامية إلى عسكرة الملف.
يتكامل هذا الطرح مع الفكرة الطموحة لإنشاء «كونسرتيوم دولي» لتخصيب اليورانيوم، تكون فيه إيران عضواً مؤسساً وشريكاً فاعلاً. هذا المشروع لا يوفر الوقود النووي للأغراض السلمية فحسب، بل يتيح لطهران الاندماج في التكنولوجيا النووية المدنية المتقدمة عالمياً. هذه الفكرة لا تُعد تنازلاً من وجهة نظر إيران، بل آلية لحفظ الحقوق النووية، ريثما تكتمل إعادة بناء البنية التحتية الوطنية وفق معايير الجيل النووي المقبل. وخلال تلك الفترة، تواصل طهران تطوير منشآتها وتجهيزها بأجيال متقدمة من أجهزة الطرد المركزي تحت إشراف «الوكالة الدولية»، بحيث يصبح استئناف التخصيب عند انتهاء المهلة حقاً قانونياً ثابتاً غير قابل للطعن.
في موازاة المسار التقني المعقد، تبرز قضية مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% كواحدة من أكثر الأوراق حساسية في البازار التفاوضي. تشير التقارير إلى وجود نحو 410 كيلوغرامات من هذه المادة، جزء منها «مجهول المكان» بدقة، وموزع في منشآت شديدة التحصين في أعماق الجبال. هذا الغموض هو انعكاس لاستراتيجية إيرانية واعية تهدف إلى فرض التفاوض على المخزون بوصفه «كتلة واحدة» غير قابلة للتجزئة أو الشطب نتيجة الضربات العسكرية. إن إبقاء مصير هذا المخزون معلقاً يضع واشنطن أمام معضلة أمنية كبرى، تتمثل إما في القبول بتسوية شاملة تضمن عودة الرقابة الصارمة مقابل رفع كامل للعقوبات، أو التعايش مع وجود مادة نووية «حرجة» ومحصنة خارج أي إطار اتفاقي واضح، وهو ما يكرس محدودية الخيار العسكري وفشله في تحييد التهديد النووي الإيراني بشكل نهائي.
كذلك، تضع المقاربة الإيرانية التي نجحت في توظيف ضربات 2025 كقوة دفع دبلوماسية، واشنطن والعواصم الأوروبية، أمام اختبار القدرة على اجتراح صيغة تضمن سلمية البرنامج دون المساس بجوهر القدرة، وهو ما يفرض الانتقال من منطق الإملاءات إلى منطق الندية السياسية. بعبارة أخرى، بات لزاماً على القوى الدولية استيعاب تحول إيران إلى «دولة حافة» كمعطى استراتيجي لا يمكن الالتفاف عليه بالضغط الاقتصادي وحده، ولا حتى بالاكتفاء بالتلويح بالخيار العسكري الذي تآكلت فاعليته أمام تحصين «المعرفة النووية».
بالنتيجة، ستظل نتائج التفاوض المرتقب رهينة القدرة على هندسة توازن يحفظ لطهران حقوقها، ويلبي بعض المطالب الأميركية في الوقت نفسه. وفي حال الوصول إلى هكذا تسوية، تكون إيران قد تمكنت من إرساء قواعد اشتباك جديدة، عنوانها أن الطريق إلى أي استقرار إقليمي يمر بالضرورة من بوابة الاعتراف بحقوقها النووية، وبأن أمنها يعني أمن المنطقة كلها.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة