سلطة المحافظين المطلقة: اللامركزية الفوضوية والانتقائية تشوه الحوكمة في سوريا


هذا الخبر بعنوان "اللامركزية الفوضوية والانتقائية في سوريا" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أصدر محافظ حماة قراراً يمنع بموجبه إقامة أي أنشطة عامة دون الحصول على موافقة مسبقة منه، وهو ما يعكس مستوى متقدماً من اللامركزية في سوريا، لكنها تتجاوز الإعلان الدستوري والقوانين والأنظمة المعمول بها، لتتخذ طابع اللامركزية الفوضوية والانتقائية. ووفقاً لـ سناك سوري بقلم بلال سليطين، فإن مجرد الحديث عن اللامركزية في سوريا قد يُعتبر "تهمة خيانة عظمى"، حيث يواجه من يتطرق إليها سيلاً من الاتهامات من "شرطة الرأي العام" التي تضم "نخب ومؤثري المرحلة" وتسيطر على المشهد العام.
تصل حدة الهجوم الافتراضي إلى منع شرح مفهوم اللامركزية، حيث يرى هؤلاء "الشرطة" أنها انفصال وتقسيم، وهي اتهامات موروثة من فكر حزب البعث ومركزيته الشديدة. لكن بعيداً عن هذا القمع، تمارس المحافظات لامركزية فوضوية وانتقائية بحسب أهواء المحافظين، دون رقابة فعلية، حيث أن "شرطة الرأي العام" مشغولة بقمع الآراء لا بمراقبة الواقع أو حماية الدستور والقانون.
في حماة، يقرر المحافظ منع الأنشطة العامة دون موافقة مسبقة من مكتب الفعاليات الذي تم إحداثه مع القرار. هذا التعميم الواسع يشمل حفلات التخرج، العروض المسرحية، الأسواق الخيرية، توزيع المساعدات، الوقفات الاحتجاجية، وحتى ورش العمل التدريبية. لا يوجد معيار واضح للموافقة، مما يعيدنا إلى حقبة الوصاية على الفضاء والنشاط العام. يتعارض هذا القرار مع مواد باب الحقوق والحريات في الإعلان الدستوري، الذي يشترط إخضاع هذه الحقوق لضوابط محددة مثل "الأمن الوطني، السلامة العامة، حماية النظام العام ومنع الجريمة، حماية الصحة والآداب العامة". وينتهي دور المحافظ عند توضيح ماهية هذه البنود، ليأتي دور السلطة القضائية في التعامل مع المخالفات، لا السلطة التنفيذية. وتتميز حماة بهذا القرار عن باقي المحافظات السورية التي تعتمد أساليب مختلفة في التعامل مع الأنشطة العامة.
بالمقارنة مع حماة، وضعت محافظة حمص قيوداً على ممارسة الأنشطة، لكنها حددتها بشكل أضيق. فاشتراطات الموافقات المسبقة في حمص ترتبط بأي فعل سياسي، أي نشاط في الشارع، احتجاجات، ماراثونات، بالإضافة إلى ورش تدريب المواطنة وقضايا الشأن العام. ووفقاً لشهادات نشطاء سياسيين ومدنيين في حمص، تُمنح الموافقات من أمانة الشؤون السياسية في المحافظة، على عكس حماة حيث تُمنح من مكتب الفعاليات في الأمانة العامة للمحافظة.
أصدر محافظ اللاذقية تعميماً يمنع جميع الموظفات في المؤسسات العامة من وضع المكياج أثناء الدوام الرسمي. هذا القرار يُعد تدخلاً مباشراً في الحريات والحقوق الشخصية، وانتهاكاً لحرمة الفرد وحقوقه الخاصة، ويشكل وصاية مباشرة على المرأة. ورغم الانتقادات ورفض الموظفات ومخالفته لباب الحريات في الإعلان الدستوري، لم تتراجع المحافظة عنه. هذا القرار أيضاً يتخذ صفة اللامركزية، حيث لا يعبر عن نهج حكومي عام، وتختص به اللاذقية وحدها دون باقي المحافظات.
في دير الزور، أصدر مسؤول له صفة "المكلف بتسيير الوحدات الإدارية" القرار رقم 47 الذي يتضمن تعيين رئيس لمجلس مدينة دير الزور. هذا التعيين، وفقاً للقانون الناظم في سوريا، يتطلب مرسوماً من رئيس الجمهورية أو قراراً من وزير الإدارة المحلية بناءً على تفويض قانوني. هذا القرار الخاص بدير الزور يعبر عن نوع غير مألوف من اللامركزية يمكن تسميته بـ "لامركزية المراسيم الرئاسية"، حيث يتم إصدار صلاحيات عليا كقرار إداري روتيني يومي.
هذه النماذج المحدودة تعبر عن نهج لامركزي انتقائي في الحوكمة بسوريا، يقرره المحافظون بأنفسهم ويمارسونه، على الرغم من انتهاكه للحقوق الفردية والحريات الخاصة، ومخالفته للإعلان الدستوري، وتجاوزه للقوانين الناظمة والصلاحيات. فما يحدث هو أن سوريا تعتمد نهجاً أقرب للامركزية، لكنه انتقائي ويركز السلطات بيد المحافظين، مانحاً إياهم سلطات مطلقة فوق قانونية وفوق دستورية، مما يشوه مفهوم اللامركزية الحقيقي القائم على إدارة الناس لشؤونهم محلياً. كل هذا يحدث في ظل غياب أي سلطة رقابية على العمل الحكومي والعام، واستمرار تأخر تشكيل البرلمان، حيث تعمل السلطة التنفيذية بحرية مطلقة دون رقابة أو مساءلة، بينما تكتفي "شرطة الرأي العام" بقمع المواطنين وتتجاهل مخالفات السلطة التنفيذية.
سياسة
سوريا محلي
سياسة
سياسة