كتاب فضل عبد الغني يكشف: توثيق استخدام نظام الأسد للكيماوي وفشل المجتمع الدولي في الردع


هذا الخبر بعنوان "كتاب «استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيماوية».. بين التوثيق القانوني وغياب العدالة" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعد كتاب "استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيماوية" للباحث فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إضافة نوعية ومفصلية في سجل التوثيق السوري المعاصر. ويقدم الكتاب محاولة جريئة لتحليل الإخفاق الدولي في منع أخطر انتهاك شهدته الثورة السورية.
ينطلق الكتاب من التوثيق نحو المساءلة، حيث يستهل بثلاثة فصول تؤسس لإطار توثيقي وقانوني متين. يعرّف هذا الإطار مفهوم الردع والإفلات من العقاب، ويؤكد أن الردع الحقيقي لا يتحقق بالبيانات الأخلاقية أو السياسية، بل عبر منظومة من العواقب الملموسة والمتصاعدة. ويخلص عبد الغني إلى أن إخفاق المجتمع الدولي في الحالة السورية لم يكن ناتجاً عن نقص في الأدلة أو ضعف في آليات التحقيق، بل عن غياب الإرادة السياسية اللازمة لتحويل هذه الأدلة إلى محاسبة قانونية فعلية.
وحول الهدف الأساسي من تأليف الكتاب، صرّح عبد الغني في حديثه لـ سانا الثقافية قائلاً: "السؤال المحوري الذي دفعني للبحث كان: لماذا أخفق المجتمع الدولي، ومجلس الأمن تحديداً، في ردع النظام عن تكرار استخدام السلاح الكيميائي، بالرغم من القرارات والآليات التي وثّقت الجرائم بدقة لا تقبل الإنكار؟ لقد سعيت لتقديم إجابة علمية تشرح هذه الفجوة العميقة بين التوثيق وتحقيق العدالة."
يتتبع الكتاب بدقة متناهية تاريخ الهجمات الكيميائية في سوريا، مستعرضاً أساليب تنفيذها، وردود الفعل الرسمية التي أعقبت كل هجوم، وما تركتْه من آثار سياسية وأخلاقية على المنظومة الدولية. ويكشف كيف تحوّل "الخط الأحمر" الذي رسمته القوى الكبرى إلى عنوان للعجز بدلاً من أن يكون أداة ردع فعالة.
يقسّم المؤلف الفترة الممتدة من عام 2011 حتى نهاية عام 2019 إلى خمس مراحل محورية. تبدأ المرحلة الأولى بما سبق مجزرة الغوطة الكبرى عام 2013، التي شكّلت نقطة انعطاف واختباراً قاسياً للضمير الدولي. تليها مرحلة ما بين الغوطة وخان شيخون عام 2017، حيث استمر استخدام المواد السامة بوتيرة متفاوتة وسط عجز أممي فاضح. ثم تأتي مرحلة خان شيخون وصولاً إلى دوما عام 2018، التي مثّلت ذروة المأساة. وتُختتم المراحل بالمرحلة الخامسة التي تشمل مجزرة الكبينة في اللاذقية عام 2019، والتي يعتبرها المؤلف تأكيداً قاطعاً على أن الإفلات من العقاب بات سياسة قائمة بذاتها.
ويوضح عبد الغني أن هذا التقسيم لم يكن مجرد تسلسل زمني، بل كان تحليلياً يهدف إلى قياس تكرار الهجمات ومستوى الاستجابة الدولية. ويقول في هذا الصدد: "منذ الغوطة وحتى الكبينة، كانت كل جريمة بمثابة اختبار جديد لمدى جدية المجتمع الدولي، ومع كل اختبار يمر دون عقوبة، كان النظام يُستدرج إلى ارتكاب المزيد من الانتهاكات، لأنه لم يرَ في المجتمع الدولي سوى مراقب عاجز عن الفعل."
يتناول الكتاب بتفصيل وافٍ أربع آليات تحقيق مختلفة، أثبتت جميعها وقوع الهجمات الكيميائية. تبدأ هذه الآليات باللجنة الدولية المستقلة للتحقيق بشأن سوريا، تليها آلية الأمين العام للأمم المتحدة التي اقتصرت صلاحياتها على تحديد وقوع الاستخدام دون تسمية الفاعل.
بعد ذلك، جاءت الآلية المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي سعت لسد الفجوة القانونية المتعلقة بتحديد "من هو الفاعل؟"، قبل أن يتم تعطيلها باستخدام حق الفيتو في مجلس الأمن عام 2017. وأخيراً، أُنشئ فريق التحقيق وتحديد المسؤولية في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لتعويض تعطيل الآلية السابقة، وقد أكد بدوره مسؤولية النظام البائد عن سلسلة من الهجمات.
وعلّق عبد الغني على ذلك قائلاً: "إن تقاطع نتائج كل هذه التحقيقات يغلق فعلياً جميع منافذ الإنكار، ويقلل من احتمال وجود خطأ منهجي أو تسييس، لكن المشكلة الأساسية تظل في ترجمة الإثبات إلى عقوبة، لأن حق الفيتو جعل القانون الدولي رهينة للسياسة."
يركز الكتاب على المفارقة الأخلاقية والسياسية في تعامل القوى الكبرى مع استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا. فقد تحولت أداة القتل هذه إلى موضوع حساسية انتقائية تفوق الاهتمام بحجم القتل نفسه. وفي هذا السياق، يقول عبد الغني: "كانت الاستجابة الدولية شكلية وانتقائية، مجرد تعهدات دون تنفيذ متناسب، وبدا الأمر وكأن الأسلحة الكيميائية هي المحرَّم الوحيد، بينما القتل بالبراميل والمتفجرات مسموح به."
يعتبر الكتاب أن فشل مجلس الأمن في متابعة الملف بعد تعطيل آلية التحقيق المشتركة شكّل منعطفاً حاسماً في ترسيخ العجز المؤسسي للأمم المتحدة في التعامل مع ملف الثورة السورية. ويرى مؤلف الكتاب أن ذلك كان إعلاناً واضحاً بأن القانون الدولي يمكن تعطيله بقرار سياسي واحد، مما أفرغ العدالة الدولية من مضمونها وأفقد الأمم المتحدة هيبتها.
يوصي الكتاب بمجموعة من الإصلاحات العملية، تتضمن تعزيز أدوات الردع ضمن القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، وتوسيع نطاق استخدام مبدأ الولاية القضائية العالمية، بما يتيح للمحاكم الوطنية النظر في الجرائم عندما يعجز مجلس الأمن عن إحالتها.
وأكد عبد الغني أن حماية المدنيين لا يمكن أن تظل رهينة للتوازنات السياسية، بل يجب رفع الكلفة السياسية على الدول التي تساند المنتهكين. وشدد على أن الإصلاح الحقيقي يجب أن يقوم على جعل المحاسبة ممكنة حتى خارج مجلس الأمن، عبر مسارات قانونية مؤسسية تتمتع بشرعية دولية.
على الرغم من أن الكتاب لا يخصص فصلاً مستقلاً لآثار الإفلات من العقاب على اللاجئين والنازحين، إلا أنه يشير بوضوح إلى أن غياب العدالة يرسخ الخوف، ويقوض الثقة بالمجتمع الدولي، ويغذي دوائر التطرف. وفي هذا الصدد، وجد عبد الغني أن الضحايا، عندما لا يرون عدالة حقيقية، تتحول جراحهم إلى أسباب جديدة للعنف، فالإفلات من العقاب ليس مجرد انتهاك للعدالة فحسب، بل هو تهديد للأمن الإنساني والعالمي.
يختتم الكتاب بدعوة صريحة لإعادة النظر في بنية الأمن الجماعي الدولي، مؤكداً أن العجز أمام استخدام السلاح الكيميائي في سوريا شكّل سابقة خطيرة قابلة للاستنساخ، ما لم يتم بناء نظام ردعي يربط القانون بالفعل الملموس، لا بالبيانات المجردة.
صدر كتاب "استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيماوية" عن دار الفكر عام 2026، ويقع في 230 صفحة من القطع المتوسط. أما مؤلفه، فضل عبد الغني، فهو من مواليد حماة عام 1987، وباحث متخصص في القانون الجنائي الدولي والعدالة الانتقالية، ويقيم حالياً في بريطانيا. يشغل منصب مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان التي أسسها عام 2011، ويعمل أيضاً مستشاراً ومدرّساً لدى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. حاز على الجائزة الفرنسية–الألمانية لحقوق الإنسان عام 2023، ونشر العديد من الأوراق البحثية في مجلات علمية محكّمة ومقالات تحليلية في منصات عربية مرموقة. يكرّس جلّ أبحاثه لتوثيق الانتهاكات في سوريا وتطوير أدوات العدالة الانتقالية، التي يعتبرها الضمانة الأهم لمنع تكرار الجرائم.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة