العقد الصامت: كيف صاغ أهل دمشق علاقتهم مع السلطة عبر التاريخ؟


هذا الخبر بعنوان "دمشق لا تُحكم بالصراخ.. كيف صنع أهل الشام علاقتهم مع السلطة؟" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مقال رأي بقلم محمد محمود هرشو، يُسلّط الضوء على دمشق، المدينة التي تتجاوز كونها مجرد مكان لتُصبح ذاكرة حية وحالة إنسانية معقدة. يرى هرشو أن فهم دمشق يتطلب تجاوز العاطفة إلى التحليل العميق، فهي "شامة" في وجه التاريخ، لا يدرك سحرها إلا من أدرك موضع جمالها الخفي.
منذ فجر الإسلام، نسجت دمشق علاقة فريدة مع السلطة، لا تقوم على القهر أو الاستسلام، بل على "عقد اجتماعي" غير مكتوب، تُشكّله المصالح المتبادلة والأفعال الملموسة. تُعد تجربة معاوية بن أبي سفيان خير مثال على هذا النمط، حيث لم يحكم أهل الشام كوالٍ متسلط، بل كشريك يدرك طبيعة مجتمعهم التجاري والعملي. لم يكمن دهاء معاوية في السيطرة، بل في فهمه العميق لمجتمع لا يميل إلى الصدام ولا تُغريه الخطابات الرنانة. لقد بنى حكمه على التنمية، تبادل المنافع، واحترام السوق، مانحًا أهل الشام امتيازاتهم الاقتصادية والاجتماعية. وفي المقابل، نال منهم الاستقرار والولاء القائم على القناعة لا الخوف. حتى عندما أقدم على التوريث، وهي سابقة في التاريخ السياسي الإسلامي، لم يتم ذلك بالقوة، بل من خلال طمأنة الحاضنة الاجتماعية بأن مصالحها ونفوذها سيبقيان مصونين.
لم يكن ولاء أهل الشام للسلطة يومًا دليل ضعف، بل تجسيدًا لعقل سياسي جماعي يتقن فن الاقتراب من السلطة دون الانغماس فيها. كان تحالفهم مشروطًا بمعادلة واضحة وعميقة: "لكم السياسة، ولنا السوق". إنهم قوم تجارة وحسابات باردة، يدركون أن المواجهة المباشرة مع السلطة باهظة الثمن، وأن النفوذ الحقيقي يُبنى في صمت. استمر هذا "العقد الصامت" عبر العصور، ولم تجرؤ سلطات كثيرة على كسره. لكن عندما بدأت الامتيازات تنتقل إلى قوى جديدة وتآكلت معادلة المصالح، انسحبت الحاضنة الاجتماعية بهدوء. في هذه اللحظة، تسقط الدول، ليس بالثورات الصاخبة، بل بانسحاب المجتمع الذي كان يمنحها الشرعية اليومية. هكذا شهد التاريخ سقوط الدولة الأموية، وتلتها أنظمة أخرى، كان آخرها نظام الأسد.
من يتعمق في فهم دمشق يدرك أن صمت أهلها ليس خضوعًا، بل هو أسلوب حياة وفلسفة عميقة. فالمقولة "الدهاة لا يتصدّرون المجالس" تلخص جوهر هذه المدينة. الشامي لا يرفع صوته، لكنه يمتلك القدرة على تحقيق مراده والحصول على أكثر مما يُعلن عنه. وكما وصفها أحد أبناء المدينة ببساطة: "الشامي بيحفر النفق بالإبرة"، وهو توصيف دقيق لعلاقة معقدة تتشابك فيها خيوط الفرد، السوق، والسلطة.
يقع السوق في صميم هذا العقد الاجتماعي. لم يُحب ابن الشام شيئًا في حياته بقدر حبه لسوقه؛ فتجارته ليست مجرد مهنة، بل هي جزء لا يتجزأ من هويته. حتى إدارة بيته تخضع لمنطق التحالف، حيث تتولى الزوجة إدارة الشؤون الداخلية، بينما يتفرغ هو لمعركة السوق اليومية. من هنا، يصبح فهم دمشق مستحيلًا دون إدراك دور نسائها، اللواتي أدرن توازنات دقيقة شبيهة بعمل المؤسسات الصامتة. لم يكتفِ معاوية بعدم الاقتراب من سوق دمشق، بل فتح لأهلها أسواقًا جديدة أغرقوها بتجارتهم، فمنحوه في المقابل دولة قوية. وحتى بيت المال، لم يُعهد به إلى خاصته، بل أُوكل لعائلة دمشقية مسيحية، في نموذج فريد من البراغماتية والتعايش يعكس اعتدال المدينة وعقلها العملي.
يمكن لأي سلطة، مهما بلغت من قوة، أن تحكم بالقوة لفترة محدودة. لكن لا يمكن لأي حكم أن يستمر دون عقد اجتماعي متين يرتكز على التنمية، تكافؤ الفرص، وتبادل المصالح. فالحشد والتعبئة لا يبنيان دولة مستقرة، والجيوش وحدها لا تحمي نظامًا. يشهد التاريخ على انهيار جيوش ضخمة في ساعات، ليس لضعفها العسكري، بل لانهيار المعنى والمصلحة التي كانت ترتكز عليها. لذا، وبكل وضوح، لا يمكن حكم هذه البلاد دون فهم عميق لأهل الشام. إن الطعن فيهم أو التشكيك في مواقفهم لا يعدو كونه جهلًا بطبيعة مدينة صنعت الاستقرار عندما أرادت، وأسقطت الشرعية عندما قررت الانسحاب.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة