جدل القرارات الحكومية المخالفة للإعلان الدستوري يثير تساؤلات حول غياب المحكمة الدستورية العليا في سوريا


هذا الخبر بعنوان "بعد قرارات تخالف الإعلان الدستوري … أين المحكمة الدستورية العليا في سوريا؟" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثارت مجموعة من القرارات الحكومية الأخيرة جدلاً واسعاً في الأوساط السورية، حيث يرى كثيرون أنها تؤثر سلباً على حياة المواطنين وتخالف نصوص الإعلان الدستوري. هذا الجدل فتح الباب أمام تساؤلات ملحة حول الآليات القانونية المتاحة للطعن في هذه القرارات، وفي صميم هذه التساؤلات يبرز سؤال جوهري: أين المحكمة الدستورية العليا في سوريا؟
بتاريخ 13 آذار 2025، وقّع الرئيس السوري “أحمد الشرع” الإعلان الدستوري، الذي يُعدّ المرجع الأعلى للمرحلة الانتقالية الممتدة لخمس سنوات. وقد نصّ هذا الإعلان على حلّ المحكمة الدستورية العليا السابقة، التي كان أعضاؤها قد عُيّنوا من قبل النظام السابق.
وبشكل أكثر تفصيلاً، نصّت المادة 47 من الإعلان الدستوري على حلّ المحكمة الدستورية العليا القائمة آنذاك، مع النص على إنشاء محكمة دستورية عليا جديدة. تتألف هذه المحكمة من سبعة أعضاء يتم تسميتهم من قبل رئيس الجمهورية، ويُشترط فيهم النزاهة والكفاءة والخبرة، على أن تُنظّم آلية عملها واختصاصاتها بموجب قانون خاص.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس لجنة صياغة الإعلان الدستوري “عبد الحميد العواك” حينها أن قرار اللجنة بحل المحكمة الدستورية القائمة جاء لكونها تُعتبر من بقايا النظام البائد. وأشار إلى أن الإعلان منح رئيس الجمهورية الحق في تعيين محكمة دستورية جديدة تمارس مهامها وفقاً للقانون السابق، وذلك إلى حين صدور قانون جديد ينظم عملها ويحدد اختصاصاتها بشكل كامل.
في تقرير صادر عن منظمة “هيومان رايتس ووتش”، أُثيرت مخاوف جدية بشأن الصلاحيات الواسعة التي منحها الإعلان الدستوري للرئيس الانتقالي. وأوضح التقرير أن الإعلان، رغم نصه على استقلالية القضاء، إلا أنه يفتقر إلى الضمانات الكافية لترسيخ هذه الاستقلالية فعلياً. كما ركز التقرير على أن أحد المخاوف الأساسية ينبع من المادة 47، التي تمنح الرئيس حق تعيين جميع أعضاء المحكمة الدستورية دون أي إشراف برلماني أو غيره. ويُشير التقرير إلى أن هذا الغياب لآليات تضمن استقلال القضاء، أو عدم إنشاء هيئة مستقلة للإشراف على التعيينات والترقيات والتأديب والعزل في السلك القضائي، يحدّ من قدرة القضاء على محاسبة الرئيس.
تتزامن هذه التساؤلات مع تقارير سابقة أشارت إلى تأخر تشكيل البرلمان السوري لأربعة أشهر بعد الانتخابات، مما أدى إلى فراغ تشريعي وغياب للرقابة. كما سبق لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” أن حذرت من أن الإعلان الدستوري السوري يحمل في طياته خطر ترسيخ نظام ديكتاتوري.
من جانبه، اقترح مقال نشره “معهد كارنيغي للسلام” عدة خطوات لتحويل المحكمة الدستورية العليا من مجرد كيان يعكس تفسيرات الرئيس للدستور إلى أداة فاعلة لإعادة بناء الحياة السياسية. وتضمنت هذه الخطوات مشاركة القوى السياسية والاجتماعية السورية في صياغة مجموعة من المبادئ لتكون وثيقة متممة للإعلان الدستوري وموجّهة للعملية الانتقالية، بالإضافة إلى ضرورة اتفاق هذه القوى على تشكيل حكومة تضم مختصين في القانون.
كما أشار المقال إلى أن الخطوة التالية تتمثل في تفويض المحكمة الدستورية العليا بصلاحية مراجعة أي نص دستوري لضمان توافقه مع المبادئ الدستورية الأساسية. ويجب أن تكون قرارات المحكمة المتعلقة بمخالفة هذه المبادئ ملزمة، بحيث تفرض على لجنة صياغة الدستور إعادة النظر في المسألة المعنية.
حتى اللحظة الراهنة، لم يصدر عن رئيس الجمهورية أي إعلان رسمي بتشكيل “المحكمة الدستورية العليا” الجديدة. ويُضاف إلى ذلك أن عدم اكتمال تشكيل البرلمان يعيق إقرار قانون جديد ينظم عمل المحكمة ويحدد صلاحياتها واختصاصاتها بشكل واضح.
وفي سياق متصل، وصف "المركز السوري للإعلام" الإعلان الدستوري بأنه "خطوة للوراء"، مشيراً إلى وجود تناقضات وخلل في مبدأ المساواة ضمن نصوصه.
أما بخصوص القانون الساري الذي ينظم عمل المحكمة الدستورية، فهو المرسوم 35 لعام 2012. وينص هذا المرسوم على تشكيل المحكمة من سبعة أعضاء يعينهم رئيس الجمهورية بمرسوم لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد، كما يمنح الرئيس صلاحية زيادة عدد أعضاء المحكمة بمرسوم آخر.
ويشترط القانون في عضو المحكمة أن يكون حاملاً للجنسية السورية فقط، ومتمتعاً بشروط التوظيف العامة، وأن يكون قد أتم الأربعين من عمره ولا يتجاوز الثانية والسبعين. كما يجب أن يكون حاصلاً على إجازة في الحقوق، ومارس العمل القضائي أو المحاماة أو التدريس في كلية الحقوق لمدة لا تقل عن خمسة عشر عاماً.
وفقاً للقانون، تختص المحكمة الدستورية بقبول طلبات الترشح لرئاسة الجمهورية وفحصها، والإشراف على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، والبت في دستورية القوانين والمراسيم، بالإضافة إلى محاكمة رئيس الجمهورية في حالات الخيانة العظمى وكل من يشارك أو يتدخل أو يحرض عليها.
ويمنح القانون المحكمة أيضاً صلاحية الرقابة على دستورية القوانين، وذلك من خلال النظر في الاعتراضات المقدمة من الرئيس أو خُمس أعضاء البرلمان على دستورية قانون قبل إصداره. كما تنظر المحكمة في اعتراض خُمس أعضاء البرلمان على دستورية مرسوم تشريعي، وتبدي رأيها في دستورية مشروعات القوانين والمراسيم. ومع ذلك، لا يحق للمحكمة النظر في دستورية القوانين التي يطرحها رئيس الجمهورية على الاستفتاء الشعبي وتحظى بموافقة الشعب.
شهدت الفترة الأخيرة صدور قرارات مثيرة للجدل، كقرار "منع المكياج" للموظفات، والذي اعتبره العديد انتهاكاً للحريات الفردية ومخالفة للإعلان الدستوري. يأتي ذلك في ظل غياب المحكمة الدستورية العليا، المؤسسة المنوط بها حماية الإعلان الدستوري والسهر على تطبيق مواده، دون أي إيضاح لأسباب التأخر في تشكيلها أو تحديد موعد زمني واضح لإنشائها.
سياسة
سياسة
اقتصاد
سياسة