نازحو رأس العين في الحسكة: ظروف معيشية قاسية تدفعهم نحو "العودة الصعبة" المحفوفة بالمخاطر


هذا الخبر بعنوان "نازحو رأس العين في الحسكة يواجهون خيار “العودة الصعبة”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل التطورات العسكرية الأخيرة التي شهدتها محافظة الحسكة، حيث بسطت الحكومة السورية سيطرتها على مساحات واسعة من الريفين الشرقي والجنوبي، بينما تمركزت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) داخل المدن الرئيسية كالحسكة والقامشلي، وجدت آلاف العائلات النازحة نفسها محاصرة بواقع جغرافي وإنساني بالغ القسوة. تحولت مخيمات الطلائع وتوينة، الواقعة على أطراف مدينة الحسكة، من مراكز إيواء طارئة إلى بؤر تعاني من عزلة إغاثية وضائقة معيشية خانقة، مما دفع العديد من العائلات إلى التفكير بخيارات عودة محفوفة بالمخاطر.
يُشكل مخيما الطلائع وتوينة شاهدين بارزين على موجات النزوح الكبيرة التي أعقبت العمليات العسكرية في شمال شرقي سوريا عام 2019. ووفقًا لشهادات متطابقة حصلت عليها عنب بلدي، يعاني كلا المخيمين من تدهور حاد في الأوضاع المعيشية والخدمات الأساسية، تزامنًا مع تصاعد العمليات العسكرية في المنطقة.
تأسس مخيم توينة في تشرين الأول 2019، ويقع في بلدة توينة على بعد حوالي 12 كيلومترًا غرب مدينة الحسكة. أنشأته “الإدارة الذاتية” بهدف استيعاب النازحين القادمين من مدينة رأس العين وريفها. تشير إحصاءات إدارة المخيمات إلى أن المخيم يضم نحو 16,500 نازح، يتوزعون على أكثر من 2,300 عائلة. يتكون المخيم بالكامل من خيام قماشية تفتقر إلى العزل الحراري، مما يجعله عرضة بشكل مباشر لتقلبات الطقس القاسية التي تميز بادية الحسكة.
يقع مخيم الطلائع في حي الطلائع بمدينة الحسكة، وقد افتُتح رسميًا في أيلول 2020. كان الهدف من إنشائه هو تخفيف الاكتظاظ في المدارس ومراكز الإيواء المؤقتة داخل المدينة، وذلك بعد تحويل ساحات “معسكر الطلائع” إلى مخيم رسمي. يقطن المخيم حوالي 15,000 نازح، غالبيتهم من سكان مدينة رأس العين، الذين رفضوا التوجه إلى مخيمات تقع في مناطق سيطرة الحكومة السورية أو في مناطق حدودية أخرى.
لقد أدت التبدلات الأخيرة في خارطة السيطرة الميدانية إلى إرباك كبير في عمل المنظمات الدولية والمحلية. فمع توسع نفوذ الحكومة السورية في الأرياف المحيطة بمدينة الحسكة، وتمركز “قسد” داخل المدينة، أصبحت طرق الإمداد الإغاثي محدودة للغاية. وقد أوقفت عدة منظمات غير حكومية أنشطتها في مخيمي توينة والطلائع، مبررة ذلك بغياب الضمانات الأمنية وصعوبة التنسيق بين القوى المسيطرة، مما أحدث فجوة هائلة في القطاعات الحيوية.
يعاني المخيمان من نقص حاد في مياه الشرب بعد توقف الصهاريج التي كانت تمولها المنظمات، مما اضطر السكان للاعتماد على مياه آبار غير معالجة، وهو ما أسهم في انتشار الأمراض المعوية، خاصة بين الأطفال. كما تقلصت كميات الخبز المخصصة للمخيمات، وبات الحصول على ربطة خبز يتطلب الوقوف لساعات طويلة أمام الأفران القريبة، أو شراء الخبز من السوق بأسعار مرتفعة وجودة متدنية. ومع حلول فصل الشتاء، لم تتلق غالبية العائلات مخصصات التدفئة، في وقت تشهد فيه أسعار الوقود في السوق السوداء ارتفاعًا يفوق القدرة الشرائية للنازحين.
في مواجهة هذا الواقع المرير، تحول خيار العودة إلى مدينة رأس العين من مجرد فكرة مؤجلة إلى قرار اضطراري للكثير من العائلات، وذلك على الرغم من المخاطر الأمنية الجسيمة. فالطريق المباشر بين الحسكة ورأس العين، التي تسيطر عليها الحكومة السورية لكنها محاطة بقوات سوريا الديمقراطية، مغلق عسكريًا. يمر هذا الطريق عبر خطوط تماس بين الحكومة السورية و”قسد”، ويعتبر منطقة خطرة للغاية بسبب الألغام والمخاطر الأمنية الأخرى.
يضطر الراغبون في المغادرة إلى سلوك طريق طويل يبدأ من مدينة الحسكة باتجاه الريف الجنوبي (منطقة 47)، ثم الالتفاف نحو الريف الغربي للمحافظة، مرورًا بالمناطق الواقعة غرب جبل عبد العزيز. هذه الرحلة، التي كانت تستغرق نحو ساعة واحدة في الظروف الطبيعية، أصبحت اليوم تمتد ليوم كامل، مصحوبة بتكاليف مالية باهظة ومخاطر متزايدة.
يروي “أبو جاسم”، البالغ من العمر 52 عامًا والنازح المقيم في مخيم الطلائع منذ ثلاثة أعوام، لعنب بلدي: “لم نعد نرى المنظمات. الخبز لا يكفي ليوم واحد، والمياه غير صالحة للشرب، والكهرباء مقطوعة. إذا استمر الوضع على حاله، سأغادر إلى رأس العين مهما كان الثمن”.
من جهتها، تستعد “أم عمار” للمغادرة عبر طريق جبل عبد العزيز، وتوضح أنها باعت ما تبقى من مصاغها لتغطية أجرة الطريق البالغة 400 دولار أمريكي، قائلة: “أعرف أن الرحلة خطرة، لكن الجوع لا يترك لنا خيارًا آخر”.
أما إسماعيل، وهو عامل مياومة في مخيم توينة، فيصف الوضع بقوله: “نعيش في منطقة رمادية، فلا توجد خدمات حكومية كاملة، ولا قدرة للمنظمات على العمل. كثيرون غادروا بالفعل، والمخيم بدأ يفرغ من العائلات القادرة على دفع تكاليف الرحلة”.
في ظل غياب أي حل مباشر لواقع المخيمات في المنطقة، تظل طرق الالتفاف عبر ريف الحسكة الجنوبي والغربي الخيار الوحيد المتاح أمام آلاف النازحين، على الرغم من المخاطر الكبيرة التي تنطوي عليها، في محاولة يائسة للفرار من مخيمات تحولت إلى بيئة طاردة للحياة، بحثًا عن الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي