اغتيال داود جندو: تصفية قائد الدفاع الآشوري في الخابور وتداعيات سحب الحماية بالقوة


هذا الخبر بعنوان "(الفصل الثاني).. اغتيال داود جندو: حين قطّع رأس الدفاع الآشوري وسحبت الحماية بالقوة" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن اغتيال داود جندو في ربيع عام 2015 حادثة معزولة، بل كان استكمالاً مباشراً لمسار بدأ بنزع السلاح من القرى الآشورية في الخابور، وتُوّج بتصفية أي محاولة للدفاع الذاتي المستقل. لم يكن جندو، قائد قوات الدفاع في القرى الآشورية المعروفة بـ"حرس الخابور"، زعيم ميليشيا أو صاحب مشروع سياسي، بل كان رجلاً من أبناء المنطقة سعى لتأمين الحد الأدنى من الحماية لأهله بعد أن تبين لهم زيف الوعود المقدمة.
هذا الدور تحديداً هو ما جعله هدفاً. ففي نيسان 2015، بين بلدتي تل تمر وهلمون، نُفذ كمين أُعد بعناية. الرواية الرسمية التي سُوقت سريعاً حمّلت تنظيم داعش المسؤولية، إلا أن الشهادات والوقائع التي تكشفت لاحقاً، وعلى رأسها شهادة إلياس ناصر الذي نجا من محاولة اغتيال في الحادثة ذاتها، رسمت صورة مغايرة تماماً. أكد إلياس ناصر، الذي كان برفقة جندو، أن إطلاق النار لم يأتِ من الجهة التي نُسبت لداعش، وأن الكمين وقع في منطقة تخضع عملياً لسيطرة وحدات الحماية الكردية، مما أضعف تماسك الرواية المتداولة منذ لحظتها الأولى.
لم يكن جندو مطلوباً لحمله السلاح، بل لرفضه تسليمه. رفض دمج قوة حرس الخابور ضمن تشكيلات حزبية، ورفض أن يتحول أبناء القرى الآشورية إلى مجرد ورقة تُستخدم عند الحاجة ثم تُرمى. هذا الرفض جعله عقبة يجب إزالتها، خاصة بعد أن أثبتت تجربة اجتياح داعش أن وجود قوة محلية مستقلة يفسد سيناريو السيطرة الكاملة على المنطقة.
عقب اغتياله، لم يُفتح تحقيق شفاف، ولم تُقدم رواية مدعومة بأدلة ميدانية مقنعة. بدلاً من ذلك، جرى تثبيت رواية جاهزة وإغلاق الملف عملياً، بينما خضع الناجون وأقارب الضحية لضغوط مباشرة وغير مباشرة، مما جعل أي محاولة للمساءلة مخاطرة حقيقية. منذ تلك اللحظة، بدأ تفكيك ما تبقى من حرس الخابور، وتحول السلاح الذي كان مخصصاً لحماية القرى إلى سلاح محظور، وفُرض على الأهالي خيار واحد: القبول بالأمر الواقع أو مواجهة العزل والتضييق.
لم يكن اغتيال داود جندو مجرد قتل رجل، بل كان قطعاً لرأس بنية دفاعية ناشئة، وإيصال رسالة واضحة لكل من يفكر بتكرار التجربة: لا مكان لأي قوة مسيحية آشورية مستقلة خارج الإطار المسموح به. بعد هذه الحادثة، فُتح الطريق لتحويل القرى إلى نقاط تماس، واستخدام سكانها كدروع بشرية عند الحاجة، ثم الحديث باسمهم في المنابر السياسية بوصفهم "أقليات محمية".
اللافت أن هذا الاغتيال جاء بعد أسابيع فقط من اجتياح داعش لقرى الخابور، في توقيت كان يفترض فيه إعادة التفكير جذرياً بمنظومة الحماية، لا تصفية من حاول سد الفراغ. لكن ما حدث كان العكس تماماً: أُزيل من حاول الدفاع، وبقي من وعد بالحماية دون أن يفي بها، ثم أُعيد إنتاج الرواية نفسها لاحقاً بأسماء وشعارات مختلفة. بهذا الاغتيال، لم يُغلق ملف الخابور، بل فُتح على مصراعيه. فمنذ عام 2015، دخلت القرى الآشورية مرحلة جديدة عنوانها السيطرة البطيئة، والضغط المتراكم، وتحويل الوجود التاريخي إلى عبء سياسي يُدار لا مجتمع يُحمى. وما تبع ذلك من حصار للقرى وإجبار السكان على حمل السلاح وإغلاق مدارسهم وتحويل كنائسهم إلى مقار عسكرية، لم يكن انحرافاً عن المسار، بل نتيجته الطبيعية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة