الرأسمال البشري في سوريا: خارطة طريق للنهوض الشامل والتنمية المستدامة


هذا الخبر بعنوان "الرأسمال البشري في سوريا وخارطة النهوض" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشير الكاتب علي الباشا إلى أن مؤتمر الاستثمار الذي عُقد في الرياض في تشرين الأول 2025، بحضور الرئيس السوري أحمد الشرع، قد سلط الضوء على الدور المحوري للشعب في عملية إعادة البناء والإعمار الهادفة إلى نهوض سوريا الجديدة. ويُعتبر هذا التوجه، إذا ما ترسخ، جوهر الاستثمار الحقيقي، فالإنسان هو الثروة الحقيقية لأي دولة تسعى للتقدم وتحقيق التنمية المستدامة. وقد أثبتت التجارب العالمية قدرة دول على تجاوز نكبات مماثلة، مثل اليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية، من خلال الاستثمار في الرأسمال البشري، لتتحول إلى نماذج مزدهرة. وفي السياق المعاصر، تؤكد رؤية التمكين السعودية 2030 على أهمية الرأسمال البشري، بتحويل أفكار الأفراد، مهما بدت بسيطة، إلى إنجازات واقعية وملموسة أحدثت فرقًا كبيرًا في مختلف القطاعات، لتشكل بذلك تجربة فريدة ورائدة على مستوى المنطقة.
يبدأ الاستثمار في الإنسان من التعليم. فسوريا، التي تواجه إرثًا ثقيلًا من بنية تحتية مدمرة ونفوس بشرية متضررة، تمتلك القدرة على النهوض، لكن ذلك يتطلب تبني مفهوم التغيير الجذري، لا التجبيري، على كافة المستويات والمؤسسات. وهذا يعني إعادة البناء من الصفر، باستخدام أدوات وقواعد وعقلية مختلفة، ضمن مجموعة من المعايير والأولويات. ويأتي في مقدمة ذلك تغيير فلسفة التعليم، ليشمل تطوير مناهج دراسية خفيفة لكنها عميقة، تتناسب مع المراحل التعليمية المختلفة لتجنب التكدس غير الفعال. يجب أن تدفع هذه المناهج الطالب نحو التفكير النقدي، وإيجاد حلول للمشكلات المطروحة، والتفاعل مع الحياة، وصولًا إلى الإنتاج المعرفي. هذا الأسلوب يدحض أساليب التعليم التلقيني السائدة التي تكتفي بنقل المعرفة وتقتل الإبداع، مؤكدًا حاجتنا إلى "تعليم التمكين" لا "تعليم التلقين".
يتطلب الأمر أيضًا إخضاع الكوادر التعليمية لبرامج تدريبية مكثفة، لتحويل دور المعلم من ملقن إلى محاور، باستخدام أدوات وأساليب حديثة تجعل الطالب محور العملية التعليمية. كما يجب توفير بيئة تعليمية ذكية ومتوازنة تشمل الريف والمدينة على حد سواء، لتصبح المدرسة مركزًا للتأثير والجذب. ومن الضروري، دون الانتقاص من السيادة التعليمية، الاستعانة بالخبرات الدولية والإقليمية لنقل منهجيات العمل وربط البرامج الأكاديمية في الجامعات بمتطلبات سوق العمل، وذلك في سباق مع الزمن المتجدد. ونظرًا لأن غالبية المعلمين هم من خريجي التعليم التقليدي، فلا يمكن تغيير المناهج بنجاح دون تزويدهم بمهارات حديثة تتوافق مع المناهج الجديدة، وذلك عبر التعاون مع شركات تعليمية دولية متخصصة في مختلف القطاعات التعليمية، فالتدريب المتقن هو المحفز الأساسي للتغيير المتقن.
بالتوازي مع إصلاح التعليم، يأتي إصلاح القضاء. ورغم أن التفاصيل الدقيقة تترك لأهل الاختصاص، إلا أن مكافحة الفساد والرشوة، ومحاكمة القاضي الفاسد علنًا، ومنح رواتب عادلة لجميع العاملين في السلك القضائي، وفرض رقابة صارمة، ورقمنة المحاكم، وتقليل التعقيد الإداري، ومواءمة القوانين مع الواقع، كلها خطوات أساسية لضمان استقلال القضاء وتحقيق العدالة.
ولأن سوريا بلد زراعي بامتياز، يجب أن تكون الزراعة مشروعًا وطنيًا استراتيجيًا. فالدولة التي تهمل فلاحيها تضطر لاستيراد غذائها. لذا، يُعد التركيز على الزراعة أمرًا سياديًا لتحقيق الأمن الغذائي، وذلك من خلال تبني مفهوم الاستثمار الزراعي، وتشجيع الفلاحين، وتوفير المعدات والبذور والمواد اللازمة للزراعة، وتطبيق التسعير العادل. كما أن اعتماد الزراعة الذكية لضمان الاستمرارية والجودة ووفرة الإنتاج، ودعم الفلاحين بقروض حسنة، سيساهم في تحويل سوريا إلى أرض خضراء تمتد من بيارات الساحل إلى سهوب المناطق الشرقية التي طالها الإهمال.
فيما يتعلق بقطاع الطاقة، وخاصة النفط والغاز، وبعد تمكن الدولة من استعادته، تتقاطع فيه مصالح دول إقليمية ودولية، وهو قطاع حيوي لدفع عجلة الاقتصاد السوري. ومع ذلك، فإن القطاعات التعليمية والقضائية والزراعية والاجتماعية هي شأن سيادي سوري بحت، ولا يمكن إخضاعها للمصالح الأجنبية. فإذا لم تتبنَ سوريا مبادرة وطنية حقيقية للاستثمار في الإنسان، فإن أي تعافٍ سيظل هشًا ومتقلبًا وعاجزًا عن تحقيق الاستقرار.
تأتي بعد ذلك النقطة الأهم، وهي تعزيز الاندماج الاجتماعي وبناء الوعي الوطني بين المواطنين على أسس العدل والمساواة، بعيدًا عن الطائفية والمعتقدات والاعتبارات العرقية. هذا سيساعد المواطن، الذي عانى من تمزق نفسي وعاطفي عميق في الحقبة السابقة، على استعادة روح الانتماء لوطنه. ولن يتحقق ذلك إلا من خلال بناء مجتمع متماسك يتنافس أفراده في الإبداع والطموح، تحت إشراف مؤسسات شفافة ونزيهة، ضمن إطار يحترم الأبعاد الاجتماعية والأخلاقية، وينقل المواطن من التهميش إلى المشاركة الحقيقية والفعالة.
وبما أن الإنسان هو محرك الحياة، فقد أظهر المواطن السوري في الداخل، رغم شح الموارد والمعدات، قدرة على تطوير مهاراته وابتكار حلول تجريبية، وتمكن من الإنتاج والإبداع في استغلال قدراته خلال سنوات الحرب. أما في المهجر، فقد أثبتت التجربة أن الاغتراب صقل الشخصية السورية وحولها إلى إنسان مواكب ومعاصر، قادر بمهاراته على التغلب على الفوارق ومواجهة التحديات العلمية والعملية. إن هؤلاء يشكلون رصيدًا وطنيًا ثمينًا، وتدعو الحاجة الدولة إلى متابعتهم والاستفادة من خبراتهم في المجالات البحثية والإدارية والزراعة والطاقة والتعليم والتدريب والابتكار والإعمار والتكنولوجيا وغيرها.
لضمان تحقيق كل هذه الأهداف، يُعد إجراء دراسات استراتيجية متخصصة، بالتعاون مع مراكز أبحاث عالمية، تركز على إيجاد حلول قابلة للتطبيق للتحديات المذكورة آنفًا، أساسًا جوهريًا يضمن التعافي السريع للمجتمع السوري.
في الختام، إن تحقيق هذه الإصلاحات يتطلب خطوات متزامنة وغير متقطعة أو متتابعة، مع التركيز على كل قطاع دون إهمال الآخر. فنهوض الدولة هو مشروع نهضوي جماعي لا فئوي، تكون فيه القيم والعلم والتخطيط جوهر هذا الاستثمار البشري.
بقلم: د. علي الباشا – كاتب سوري
سياسة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد