صناعة القرار التشاركي من القاعدة: هل ينهي أزمات سوريا المستمرة من السويداء إلى الجزيرة؟


هذا الخبر بعنوان "التشاركية صناعة القرار من تحت .. هل تحلّ أزمات سوريا من السويداء إلى الساحل والجزيرة؟" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعدّ التشاركية ركيزة أساسية للديمقراطية، فهي توسّع قاعدة التمثيل وتُضفي شرعية أوسع على أنظمة الحكم في أي دولة. فزيادة عدد المشاركين في الإدارة وصناعة القرار تعني بالضرورة ارتفاع نسبة المؤيدين والمدافعين عن هذه القرارات. وفي السياق السوري، تُبرز مرحلة ما بعد سقوط النظام الحاجة الماسة إلى تبني مبدأ التشاركية في إدارة شؤون البلاد وصناعة قراراتها، حيث يمكن أن يؤدي غيابها إلى تداعيات خطيرة على المجتمع، قد تصل إلى حد المطالبة بالانفصال، وفقاً لما ذكره سناك سوري من دمشق.
تكمن المشكلة الجوهرية في المسار الذي تتخذه القرارات المتعلقة بالمواطنين؛ فغالباً ما تُتخذ هذه القرارات من "فوق" أي من قبل السلطة، لتُفرض على "الشعب" في الأسفل، ما يعكس طبيعة العلاقة الهرمية بين الطرفين. هذا النمط يزيد من تعقيد الأزمة، حيث يصدر القرار عن فرد أو مجموعة صغيرة من الأشخاص، بينما يقع عبء تطبيقه ونتائجه على عاتق الملايين.
كمثال على ذلك، صدر قرار رفع سعر الكهرباء عن وزارة الطاقة بتوقيع الوزير. وحتى لو افترضنا أنه جاء نتيجة مشاورات بين وزارة الطاقة، بصفتها الجهة المسؤولة عن تكاليف إنتاج الكهرباء، ووزارة المالية، التي تدير ملف الرواتب والأجور وتوزيع إيرادات الدولة، فإن عملية صناعة القرار ظلت محصورة في أيدي عدد قليل من الأفراد.
في هذا السياق، دعا ابراهيم دراجي إلى الإسراع في تشكيل مجلس الشعب على أسس تشاركية. أما تبعات تطبيق القرارات، مثل قرار رفع سعر الكهرباء، فقد وقعت على كاهل ملايين المواطنين السوريين الذين تم تهميشهم وتغييبهم كلياً عن عملية صناعة القرار. لم يُستشر أحد منهم حول رأيه، مما دفعهم إلى الخروج إلى الشوارع بعد بدء التطبيق، معبرين عن معاناتهم من عدم قدرتهم على تسديد الفواتير وعدم تناسبها مع رواتبهم وأجورهم ومداخيلهم الشهرية.
لقد أثبتت التجارب، سواء في سوريا أو في دول أخرى حول العالم، أن المركزية المفرطة في اتخاذ القرارات تُظهر عيوباً جسيمة، حيث تؤدي إلى قرارات لا تتناسب مع خصوصيات المناطق المحلية ولا تراعيها. يعود ذلك إلى أن "المركز" غالباً ما يفتقر إلى فهم عميق لهذه "المحليات" ولا ينظر إليها بمنظور يحترم تفردها، بل يتعامل معها كجزء من كل أكبر، مطبقاً عليها نفس المعايير، فبالنسبة له، المدينة كالريف، والساحل كالداخل، والشمال كالجنوب، ويُفترض أن تخضع جميع المناطق لقرار "المركز" الذي اتُخذ بناءً على رؤية محدودة وضيقة لا تولي اهتماماً كافياً للمحليات.
في المقابل، اتجهت دول العالم نحو البحث عن سبل جديدة لتوسيع نطاق اتخاذ القرار ومراعاة الخصوصيات المحلية، بهدف تطبيق إجراءات تتناسب مع كل منطقة وسكانها، وتسهم في تحقيق التنمية المحلية. على سبيل المثال، طبقت بريطانيا ما أسمته "الديمقراطية التداولية"، وأطلقت ألمانيا "الديمقراطية المحلية"، وأنشأت فرنسا "الديمقراطية الجِوارية"، بينما عملت سويسرا على تطبيق سياسة "الديمقراطية شبه المباشرة".
الشرط الأساسي لنجاح هذه التجارب يتمثل في إقرار مبدأ "اللا مركزية" في إدارة شؤون البلاد. يتحقق ذلك من خلال منح الأطراف المحلية، كالمحافظات والمناطق، صلاحيات أوسع لاتخاذ قراراتها الخاصة. يهدف هذا النهج إلى تحقيق التنمية المحلية، وإشراك المواطنين في صناعة القرارات التي تؤثر على حياتهم اليومية، وتطبيق ما يمكن وصفه بـ "الحوكمة المحلية" التي تضمن شرعية التمثيل المحلي، وتضع آليات للمساءلة والشفافية في اتخاذ القرار، وتكفل استجابة المجالس المحلية لمطالب المواطنين.
التشاركية في الحالة السورية:
تتجلى أهمية التشاركية في الوضع السوري الراهن من خلال ثلاثة ملفات أو أزمات رئيسية. ففي الساحل السوري، تصاعدت المطالب بإشراك أبناء المنطقة ليكونوا بمثابة "شرطة محلية"، وذلك لفهمهم العميق لطبيعة مناطقهم ومجتمعاتهم، ولفتح آفاق بناء الثقة بين الدولة وسكان تلك المناطق. ورغم أن هذا المطلب لم يتحقق في حينه، إلا أن مثالاً مشابهاً حدث مؤخراً بتعيين ضابط من أبناء المنطقة رئيساً لقسم الشرطة في "القرداحة".
أما في "السويداء"، فقد كانت الحالة أكثر عنفاً وتطرفاً. بدأت المطالبات بتعيين محافظ من أبناء السويداء وضم الفصائل المحلية إلى وزارتي الدفاع والداخلية، مع تكليفهم بمهمة حفظ أمن المنطقة. لكن هذه المطالب لم تلقَ استجابة، وتطورت الأحداث بسرعة لتتحول إلى مواجهات دامية ومجازر طائفية، وانقسام حاد بلغ حد مطالبة البعض بانفصال السويداء عن سوريا ككل.
يتركز المثال الثالث في الجزيرة السورية، حيث يدور الخلاف الرئيسي بين الحكومة السورية و"قسد" حول مسألة "اللا مركزية" أولاً، ثم حول قضية الانتشار العسكري والأمني في المناطق ذات الأغلبية الكردية. تطالب "قسد" بتولي القيادة العسكرية والأمنية في هذه المناطق، مع الاندماج ضمن الجيش السوري والقوى الأمنية الحكومية، وهو ما يبدو أنه تم التوصل إليه في آخر اتفاق معلن بين الطرفين.
تُظهر هذه الحالات الثلاث بوضوح الأهمية القصوى للتشاركية وصناعة القرار من القاعدة، وضرورة مراعاة الخصوصيات المحلية. كما تؤكد على أهمية توسيع دائرة المشاركين في صناعة القرار، وإشعار المواطن بقدرته على التأثير في القرارات التي تمس حياته اليومية. هذا النهج من شأنه أن يعزز الثقة بين المواطن والحكومة، ويرفع مستويات الرضا المجتمعي، ويدعم الحوكمة، ويسهم بفاعلية في دفع عجلة التنمية المحلية.
سياسة
اقتصاد
سياسة
سياسة