مطار القامشلي: تحولات "بوابة الجزيرة" من الصراع العسكري إلى الإدارة المدنية الوطنية


هذا الخبر بعنوان "مطار القامشلي.. “بوابة الجزيرة” إلى دمشق والعالم" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما شكّل مطار القامشلي الدولي، منذ تأسيسه، شريان الحياة الرئيسي ومحور النقل الوحيد الذي يربط محافظة الحسكة، في أقصى الشمال الشرقي السوري، بالعاصمة دمشق وبقية العالم. واليوم، يعود المطار إلى واجهة الأحداث، ليس كساحة للصراع أو قاعدة عسكرية، بل كرمز لمرحلة جديدة تهدف إلى توحيد إدارة الأجواء السورية تحت مظلة مؤسساتية وطنية، بعد عقود من التقلبات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد.
يقع مطار القامشلي في الجزء الجنوبي من مدينة القامشلي، ويعود تاريخ تشغيله الفعلي كمنشأة حيوية إلى سبعينيات القرن الماضي. ومع تزايد الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية لمنطقة الجزيرة السورية، الغنية بموارد النفط والقمح، خضع المطار لعمليات تأهيل وتوسعة مكثفة. وفي عام 2003، تم إعلانه "مطارًا دوليًا"، بهدف استيعاب الرحلات الخارجية وتخفيف الضغط عن مطاري دمشق وحلب.
يتمتع المطار بموقع استراتيجي حيوي بالقرب من الحدود التركية، ويضم مدرجًا بطول يناهز 3600 متر، مما يؤهله لاستقبال مختلف أنواع الطائرات، بما في ذلك طائرات الشحن الكبيرة والناقلات العسكرية. وفي الظروف الطبيعية، كانت طاقته الاستيعابية تصل إلى مئات آلاف المسافرين سنويًا، قبل أن تتغير وظائفه بشكل جذري مع اندلاع الحرب السورية في عام 2011.
خلال سنوات الحرب، تحول مطار القامشلي من مرفق مدني حيوي إلى "حصن عسكري" للنظام السوري السابق. ومع فقدان النظام السيطرة على الطرق البرية المؤدية إلى الحسكة، أصبح المطار الوسيلة الوحيدة لإمداد قواته داخل ما كان يُعرف بـ"المربع الأمني" في القامشلي والحسكة بالأسلحة والذخائر والمواد الغذائية.
في أواخر عام 2019، شهد المطار تحولًا مفصليًا في هويته العسكرية. فبعد الانسحاب الأمريكي الجزئي من الشمال السوري والعملية العسكرية التركية "نبع السلام"، دخلت القوات الروسية إلى المطار وحولته إلى قاعدة جوية خاصة بها. نشرت روسيا في المطار منظومات دفاع جوي وطائرات مروحية وقتالية، واستخدمته كنقطة انطلاق لتسيير دورياتها في المنطقة وكأداة لفرض نفوذها في شرق الفرات ومنافسة الوجود الأمريكي.
لسنوات طويلة، ظل المطار نقطة تماس معقدة، حيث كانت السيطرة الفعلية للنظام داخل أسواره، مع وجود روسي كثيف، بينما كانت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) تحيط بمحيطه بشكل كامل. ومع التطورات الميدانية الأخيرة وسقوط النظام السوري قبل ذلك (في 8 من كانون الأول 2024)، انتقلت السيطرة على المطار بشكل جزئي إلى "قسد" والوحدات التابعة لها، ضمن ترتيبات أمنية فرضها الواقع الجديد. وقد استمر الوجود الروسي حتى التطورات الأخيرة التي تمثلت بسيطرة الحكومة السورية على أجزاء من محافظة الحسكة عقب سيطرتها على محافظة الرقة وريف محافظة دير الزور الشرقي، الأمر الذي دفع الروس إلى الانسحاب الكلي من المطار نحو قاعدة حميميم في الساحل السوري.
لم يتوقف المشهد عند هذا الحد، فبموجب التفاهمات الأخيرة بين الحكومة السورية و"قسد"، بدأ مسار "مؤسساتي" لإعادة المطار إلى كنف الإدارة المدنية الوطنية، في خطوة تعكس توجهًا نحو استعادة السيادة والخدمات.
في تصريح يعكس أهمية هذه المرحلة، وصف عمر الحصري، رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، تسلّم المطار بأنه "خطوة سيادية وتنموية مفصلية". وأكد الحصري عبر منصة "إكس" أن الهدف الأسمى هو إعادة ربط الشمال الشرقي بالمنظومة الوطنية للطيران، وتوحيد إدارة الأجواء ضمن إطار مؤسسي يدعم السلامة الجوية ويعزز التنمية الاقتصادية.
وتنفيذًا لهذه التفاهمات، بدأت إجراءات التسليم الفعلي بوصول وفد رفيع المستوى إلى المطار، ضم أمجد نخال، معاون رئيس الهيئة العامة للطيران المدني، والعميد مروان العلي، قائد الأمن الداخلي في الحسكة، للبدء بإجراءات التشغيل الرسمي للمرفق.
لا تقتصر أهمية مطار القامشلي اليوم على كونه مجرد مرفق للنقل، بل يُنظر إليه كاختبار حقيقي لقدرة السوريين على إدارة ملفات السيادة والخدمات بعيدًا عن لغة السلاح. إن إعادة تشغيل المطار كبوابة مدنية ستنهي معاناة آلاف المدنيين والطلاب والمرضى الذين كانوا يضطرون لرحلات شاقة، كما ستفتح الباب أمام انتعاش اقتصادي لمنطقة عانت طويلًا من التهميش والحصار.
بين الأمس كقاعدة عسكرية واليوم كمرفق وطني، يبقى مطار القامشلي شاهدًا على تحولات كبرى في الخارطة السورية، بانتظار أن تقلع منه أولى الرحلات التي تحمل معها آمال الاستقرار والتنمية لمنطقة الجزيرة السورية.
سوريا محلي
سوريا محلي
اقتصاد
اقتصاد